لو عقدت إيران العزم، لتغيّرت مجريات الكثير من الأحداث
- قال الدكتور عباس مقتدائي؛ نائب رئيس لجنة الأمن القومي بالبرلمان الإيراني في حوار مع الوقت: على مدى عقود خلت، وظّف الأمريكيون ترسانةً واسعةً من الأدوات بغية كبح جماح التقدم الإيراني؛ بدءاً من استغلال منبر الأمم المتحدة وممارسة الضغوط السياسية، مروراً بنسج الأكاذيب وفرض الحصار الاقتصادي، وصولاً إلى عشرات الوسائل الأخرى. وطيلة هذه السنوات، ظلت هناك مقولة تتردد أصداؤها باستمرار: “جميع الخيارات مطروحة على الطاولة”.
غير أن الحقيقة الناصعة هي أن الأمريكيين، وخلال العام المنصرم تقريباً، قد استنفدوا جُلّ ما في جعبتهم من خيارات، دون أن يظفروا بتحقيق مآربهم المنشودة. لطالما لوّحت أمريكا بشبح الحرب لترويع إيران، متوعدةً بأنها، بما تمتلكه من تفوق تكنولوجي وعتاد متطور، قادرة على سحقها، وأن طهران لا تملك طاقة الصمود أمام الجبروت التكنولوجي لواشنطن.
غير أن المشهد اليوم قد بلغ منعطفاً مغايراً تماماً؛ فرغم زجّ أمريكا بمعظم عتادها وقدراتها وخياراتها في الساحة، لم يعد يتجرأ أحد في العالم على الادعاء بأن إيران قد هُزمت. وفي الواقع، لا يمكن لأي إنسان منصف، بل وحتى غير المنصف، أن يبتلع ببساطة مقولة “إيران المهزومة”. بل إن الداخل الأمريكي ذاته، سواء في أوساط الساسة المؤيدين لدونالد ترامب أو المناهضين له، بات يشهد تصريحات تقرّ صراحةً بعجز ترامب عن بلوغ أهدافه المرجوة في مواجهة إيران.
معادلةٌ تغيّرت موازينها
ومكمن الأهمية هنا يتجلى في أن إيران تبدو اليوم أكثر إقداماً من أي وقت مضى، في حين تقف أمريكا أشدّ خوفاً من خوض غمار الحرب. وما ضاعف من حدة هذا الخوف هو المأزق السياسي الذي يطوّق ترامب؛ فأولئك الأمريكيون الذين كانوا بالأمس يتشدقون بالحرب بجرأة مفرطة، باتوا اليوم يتحدثون عن الحرب وتداعياتها بحذر وتوجُّس شديدين.
وإلى جانب ذلك، تتجلى حقيقة أخرى أشدّ وضوحاً من ذي قبل؛ ألا وهي نجاح إيران في تكريس تلاحمها الداخلي واجتذاب تعاطف الرأي العام العالمي بصورة لم يسبق لها مثيل، وهو أمر تبدو إرهاصاته جليةً للعيان في خضم التفاعلات السياسية والإعلامية المواكبة للحرب.
أكاذيب فقدت بريقها
لقد اتخذ دونالد ترامب من الكذب أداةً طيّعةً؛ يوظّفها بالأساس لطمس معالم الحقيقة وللتغطية على إخفاقاته المتتالية. إلا أن المعضلة تكمن في أن سيل أكاذيبه قد بلغ حداً جعل من هذه الأداة حيلةً باليةً وورقةً خاسرةً فاقدةً للفاعلية.
فالقاعدة جليّة: كلما تمادى ترامب في نسج الأكاذيب، تعمّقت هوة انعدام الثقة وتآكلت مصداقية أمريكا ورئيسها وزمرته. وفي هذا المجال، تمثّلت إحدى أبرز نجاحات إيران مؤخراً في دحض وتسفيه الادعاءات الأمريكية على الصعيدين العسكري والسياسي؛ وهو مسار تزامن مع تهاوي مصداقية شريحة واسعة من تصريحات وروايات الساسة الأمريكيين، مما كشف النقاب – أكثر من أي وقت مضى – عن البون الشاسع بين زيف الادعاء وحقيقة الواقع.
أدوات واشنطن المهترئة
تمرّ الأمم المتحدة اليوم بأسوأ حالات الوهن والضعف في تاريخها المعاصر، كما يُنظر إلى أمينها العام – الذي يقف على أعتاب الرحيل – كشخصية تتسم بالضعف. إن المأساة الإنسانية في غزة، والأحداث الدامية في لبنان، والملف الإيراني، وعشرات الأزمات الأخرى، ليست سوى شواهد دامغة على عجز المنظمة الأممية عن الاضطلاع بدورها الفاعل.
وفي خضم هذه الظروف، تواصل أمريكا التمادي في استغلال ورقة الأمم المتحدة، بل وتوظيف سلاح متأخراتها المالية للمنظمة، بغية تطويع أروقتها المختلفة – كمجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية – لخدمة أجنداتها الخاصة. وهذا الأمر في حد ذاته يشكل برهاناً ساطعاً على صدق الادعاء القائل بضعف وهشاشة الأمم المتحدة.
وفي غضون ذلك، برهنت خطابات الرئيس الإيراني في الأمم المتحدة على سعي طهران الحثيث لتسليط الضوء مجدداً على ضرورة إرساء اقتدار عالمي في مواجهة أمريكا، وكبح جماح ممارسات واشنطن المتوحشة. كما تعكس هذه المواقف تطوراً ملموساً في ترسانة القوة الناعمة الإيرانية وقدرتها على الإقناع العالمي، لتتربع اليوم في صدارة الاهتمام الدولي أكثر من أي وقت مضى.
منطق إيران: الحرب ذوداً عن النفس، لا تعطشاً للعنف
في ظل هذه الأجواء المشحونة، سعت إيران جاهدةً لتقديم منطق جليّ تستوعبه شعوب العالم؛ منطقٌ يمزج بين الجاهزية التامة للذود عن أمنها وأمن الآخرين، والتأهب الحازم للتصدي لكل من يتخذ من زعزعة الاستقرار نهجاً لسلوكه.
ويرتكز هذا المنطق على ميزانين واضحين: إن بادر الآخرون بإشعال فتيل الحرب وأصروا على استعارها، فستقاتل إيران؛ أما إن جنحوا للسلم ولم يسعوا للحرب، فإن إيران بدورها لن تسعى لإراقة الدماء ولن تلجأ للعنف.
وهذه الرسالة، في جوهرها، هي محاولة لرسم صورة ناصعة عن سياسة إيران؛ صورة يتناغم فيها حق الدفاع المشروع والتصدي للتهديدات، مع انتفاء النزعة نحو إشعال الحروب في الظروف الطبيعية.
أمريكا في مواجهة واقع جديد
لم يعد أمام أمريكا اليوم من مناص سوى الإذعان لما تقوله إيران؛ ذلك أن طهران قد نجحت عملياً في ترسيخ أقدامها، ليس فقط من بوابة العتاد والقدرات العسكرية، بل ومن منظور ثقلها الجيوسياسي والجغرافي أيضاً.
لقد تبلورت اليوم قناعة راسخة لدى طيف واسع من المراقبين بأنه لو عقدت إيران العزم، لتغيّرت مجريات الكثير من الأحداث، ومن هذا المنطلق بالذات، بات الآخرون يناشدون إيران بالتحلي بضبط النفس.
وعليه، تجد أمريكا نفسها وجهاً لوجه أمام واقع جديد؛ واقعٌ لم تعد فيه قوة إيران تُختزل في لغة الأرقام العسكرية، بل أضيفت إليها المكانة الجغرافية، والقدرة الردعية، والقوة السياسية، والسطوة الناعمة.
وفي ظل هذا المشهد المستجد، باتت خيارات أمريكا أضيق نطاقاً من ذي قبل، ولم يبق أمامها سوى التسليم بقوة إيران كقوة إقليمية عظمى، تلقي بظلالها وتداعياتها على الساحة العالمية بأسرها.