kayhan.ir

رمز الخبر: 230565
تأريخ النشر : 2026September26 - 20:38

التفاوض بعد تدمير المنطقة؟

 

ناصر قنديل

 هناك مَن يتحدث عن ترجيح فشل مسار التفاوض الحالي بين أميركا وإيران، مستنداً إلى أن المدى الذي بلغه الرئيس الأميركي في خيار العقوبات والحصار يغريه بالمواصلة طلباً للاستسلام أو التغيير الجوهري في شروط التفاوض، لاعتقاده واعتقاد معاونيه أن الحصار والعقوبات أفضل من الحرب، وأن إيران لن تستطيع الإفلات ولا الصمود، وأن الطريق الحتمي أمام إيران هو التفاوض بسقوف أدنى خارج مذكرة التفاهم.

لكن فشل التفاوض الأميركي الإيراني لن يعني العودة إلى الوضع القائم، طالما أن الحصار والعقوبات والحرب على الملاحة وسائل ضغط متواصلة، ولن تستطيع طهران التعامل معها إلى ما لا نهاية بوصفها خلفية سياسية للمحادثات. كما لا يستطيع دونالد ترامب، بعد رفع سقف مطالبه وتهديداته، أن يعلن انسداد التفاوض ثم يكتفي بانتظار نتيجة الحصار. فإذا أُغلقت نافذة التسوية، عاد الطرفان إلى سؤال الحرب: من يبدأ التصعيد، وإلى أي مدى يستطيع التحكم بنتائجه؟ بينما تقول الاتصالات غير المباشرة التي جرت وتجري في نيويورك عبر الوسطاء إن النافذة لا تزال مفتوحة، لكنها لا تلغي هذا السؤال.

ثمة فرضيتان للانتقال إلى مواجهة أوسع. الأولى أن يصح الرهان الأميركي على قدرة الحصار والعقوبات على خنق الاقتصاد الإيراني. عندها لا يصبح الضغط سبباً لتقديم طهران تنازلات بالتأكيد؛ وسوف ترى طهران أن تركه يتراكم أخطر من كلفة التصعيد، فتسعى إلى كسره بالقوة. وهي تستطيع تشديد قبضتها على العبور في هرمز وتستهدف الناقلات التي تعبره خلافاً لموافقتها وشروطها، أو تستهدف سفن الحصار كلما اعترضت ناقلة إيرانية، أو توسّع الرد إلى منشآت ومصالح مرتبطة بالحرب عليها. وقد تذهب إلى إعلان حصار بالنار على الموانئ والمطارات الإسرائيلية، مع ما يحمله تهديد السفن والطائرات المتجهة إليها من مخاطر توسيع الحرب إلى أطراف أخرى. أما الصدام المباشر مع السفن الحربية الأميركية، فيبقى أخطر درجات هذا المسار لأنه ينقل المواجهة سريعاً من الضغط المتبادل إلى حرب مفتوحة.

الفرضية الثانية أن تصمد إيران وتحتوي آثار الحصار بما يكفي لمنع واشنطن من إعلان نجاحه. هنا تنتقل المعضلة إلى ترامب؛ إذا لم يحصل على الاتفاق وفق سقفه المرتفع، ولم تحقق العقوبات ما وعد به، فقد يغريه استخدام القوة العسكرية لتغيير شروط التفاوض. وفي غياب عمل بري أميركي، ومع استبعاد السلاح النووي، تنحصر خياراته في ضربات جوية وصاروخية، وتوسيع الحصار البحري، واستهداف منشآت عسكرية واقتصادية إيرانية. تستطيع هذه الخيارات إلحاق دمار كبير؛ لكن السؤال الذي لا تجيب عنه هو: كيف يُترجم الدمار إلى قبول إيراني بالشروط الأميركية؟

لقد اختُبر جانب من هذه المعادلة منذ بدء الحرب. أظهر القصف قدرته على التدمير، وأظهرت إيران قدرتها على مواصلة الرد وتعطيل الملاحة. وإذا اتسعت الضربات إلى البنى التحتية، فلن تُترك منشآت الطاقة والموانئ في الخليج(الفارسي) و”إسرائيل” خارج حسابات الرد الإيراني. لن تكون المعركة عندئذ مقارنة بين ما تملكه أميركا وإيران من طائرات وصواريخ فقط، بل بين قدرتهما على احتمال تعطّل الاقتصاد واتساع رقعة الأهداف.

ثم تأتي مسألة الدفاع الجوي. كل جولة كبيرة من الصواريخ والمسيّرات تستدعي اعتراضات مكلفة، وتضع القواعد والسفن والمدن ومنشآت الطاقة في منافسة على الحماية. استنزاف هذه المنظومات يعني في مرحلة لاحقة من الحرب أن السفن الأميركية تصبح مكشوفة تلقائياً، بما يرفع كلفة حمايتها، ويزيد أثر أي اختراق أو إصابة. وكلما طال التبادل، تراجع احتمال أن تنتهي الحرب بضربة حاسمة، وارتفع احتمال أن تنتهي باستنزاف قاتل يصيب الطرفين وحلفاءهما.

للسوق صوتها في هذه الحرب أيضاً. فالنفط يتأثر بمجرد ارتفاع احتمال تعطّل الممرات، قبل وقوع تعطّل شامل. وعندما تتعرّض المصافي والناقلات والموانئ للخطر، لا يرتفع سعر البرميل وحده؛ ترتفع كلفة التأمين والنقل، ويشتد الضغط على البنزين والديزل، ثم على الأسعار والبورصات. وقد ظهرت أزمة الديزل بالفعل مع اضطراب الإمدادات، فيما لجأ المنتجون إلى مسارات نقل أكثر كلفة للمحافظة على جزء من صادراتهم. حرب جديدة فوق هذه الهشاشة ستجعل كلفتها الاقتصادية جزءاً من قرار وقفها.

لهذا يُرجّح التقاط فرصة التسوية الراهنة، لا لأن التنازلات المطروحة جذابة لأيٍّ من الطرفين، بل لأن بديلها العسكري لا يقدم طريقاً إلى الحسم، حيث تستطيع واشنطن تدمير الكثير، وتستطيع طهران توسيع ساحة الرد ورفع كلفة النفط والملاحة. وبعد جولات من الضربات والردود، سيعود الجميع إلى طاولة التفاوض لمناقشة الحصار والأمن والمضائق ووقف الحرب؛ لكنهم سيجلسون هذه المرّة في منطقة دُمّر من بنيتها التحتية ما كان يمكن الحفاظ عليه اليوم، وما سوف يستهلك ثروات سنوات قادمة ويحرم منها أجيالاً قادمة.

captcha