kayhan.ir

رمز الخبر: 230562
تأريخ النشر : 2026September26 - 20:38

مَن يقاتل ضد أنصار الله براً في اليمن؟

 

تزدحم الطاولة الإقليمية بخرائط للردّ على تقدّم قوات صنعاء نحو باب المندب. اجتماع عسكري سعودي تركي باكستاني، ودعوة أوروبية إلى تعزيز السفن الحربية في البحر الأحمر، وتلميحات إسرائيلية إلى عرض خبرات الدفاع الجوي والاستخبارات على السعودية. تبدو الخيارات كثيرة إذا كان السؤال عن اعتراض الصواريخ أو مرافقة السفن أو حماية المنشآت، لكنها تتضاءل عند السؤال الذي يقرر مصير الساحل: من سيقاتل برياً لاستعادة ما خسرته القوى المناوئة لأنصار الله؟

وصلت قوات صنعاء إلى المخا وذوباب ومحيط باب المندب عبر تقدّم بري أذهل بسرعته وكفاءته الأصدقاء والأعداء، واعترفت يومها الحكومة اليمنية المدعومة سعودياً بوصول أنصار الله إلى جزيرة ميون بعد انسحاب القوات المدعومة سعودياً منها، قبل أن يعلن أنصار الله سيطرتهم على الجزيرة، ثم واصل الأنصار الضغط على المرتفعات الفاصلة بين الساحل والمناطق التي بقيت بيد الخصوم. لذلك، لا تكفي حماية ناقلة في عرض البحر لتغيير الخريطة على البر، ولا يستطيع صاروخ يُطلق على موقع أن يحلّ محل قوة تسيطر على الطريق والتلة والميناء وتبقى فيها.

في الرياض، يجري الحديث عن اجتماع رؤساء الأركان السعوديين والأتراك والباكستانيين لبحث دعم المملكة. هذا تطور سياسي وعسكري لا يجوز تجاهله، لكن ما أُعلن حتى الآن يتصل بالمساعدة والتنسيق، ولم يصدر قرار بنشر قوات تركية أو باكستانية على أرض اليمن. تستطيع الدولتان تقديم منظومات دفاع وخبراء واستخبارات وتجهيزات، وقد توسعان الغطاء السياسي للسعودية. أمّا خوض حرب برية في جبال اليمن وسواحله، فيتطلب قراراً مختلفاً، وجنوداً بأعداد كافية، وخطوط إمداد، واحتمال خسائر لا تُقاس بكلفة اجتماع عسكري.

في البحر الأحمر، تقول المسؤولة الأوروبية كايا كالاس إن مهمة «أسبيدس» تحتاج أكثر من عشر سفن حربية، بينما يعمل فيها حالياً نحو ست. التفويض المعلن للمهمة دفاعي لحماية السفن المدنية. زيادة القطع البحرية قد تحسّن المرافقة والاعتراض، لكنها لا تنتزع المخا أو ذوباب، ولا تمسك المرتفعات المشرفة على باب المندب. بين حماية ممر مائي واستعادة ساحله مسافة تفصلها حرب برية كاملة، ومن المفيد التذكير بما قاله الخبراء الإسرائيليون عن معنى سيطرة أنصار الله على باب المندب، وانتفاء حاجتهم للرادارات والصواريخ والمسيرات للتحكم بالملاحة، حيث تكفي مناظير المشاهدة بالعين المجردة ومضادات الدروع واستخدام التحصينات التاريخية الموجودة على الجزيرة.

أما الفرضية الإسرائيلية، فتظهر في الصحافة الإسرائيلية بصيغة مساعدة محتملة للسعودية في الدفاع الجوي والاستخبارات. وحتى إن تطورت إلى ضربات جوية إسرائيلية، فمن سيحمل عبء التقدم على الأرض؟ إن دخول “إسرائيل” المباشر قد يرفع كلفة المواجهة الإقليمية، لكنه لا يخلق من تلقاء نفسه قوة يمنية قادرة على التقدم والثبات. والإعلان عن خيارات أميركية للغارات ثم التراجع عنها، وفق تقرير لم تؤكده واشنطن، يعكس بدوره التردّد في توسيع الحرب، فضلاً عن أن الغارات لا تجيب عن سؤال الأرض.

هنا تقع العقدة التي تخفيها كثرة التحالفات؛ لقد جُرّب الخيار البري المحلي فعلاً، ولم يكن ينقصه إعلان الجهوزية. القوى اليمنية المناوئة لأنصار الله استعدت للمواجهة وحشدت، والسعودية موّلت وسلّحت وأسنَدت. وفي الخلفية انعقد اجتماع عسكري نظّمته القيادة المركزية الأميركية في ألمانيا وضمّ رؤساء الأركان والمخابرات في “إسرائيل” ودول الخليج (الفارسي) ومصر والأردن وخصص للبحث في وضع اليمن وتكامل الجهود فيها. ما حسم النتيجة المرئية لم يكن نقصاً في العناوين والتحالفات، بل ميزان القوى اليمني على الأرض؛ تقدّمت قوات صنعاء وتراجعت القوات المدعومة سعودياً عن مواقع الساحل. لذلك لا يحلّ طرح إعادة تجميع القوى نفسها مع إسناد إضافي مشكلة القدرة على استعادة منطقة واسعة والثبات فيها.

هذا السؤال رافق محاولات إخضاع اليمن عبر تاريخه، ولا حاجة إلى القول إن كل التجارب متماثلة لفهم الدرس؛ السيطرة بالنار من الجو أو البحر شيء، وتحويلها إلى حكم مستقر على الأرض شيء آخر. اليوم صار الدرس أكثر وضوحاً لأن صنعاء لم تصل إلى باب المندب ببيان بحري أو بطائرة مسيّرة، بل بحركة قوات على الأرض غيّرت خطوط التماس. من يريد قلب النتيجة يحتاج إلى قوة برية أقدر منها، أو تسوية سياسية تعترف بأن الخريطة تغيرت.

لهذا يمكن للاجتماع الثلاثي أن يعزز دفاع السعودية، وللأساطيل الأوروبية أن ترافق بعض السفن، ولـ”إسرائيل” أن تعرض خبرتها أو تلوّح بضربات. لكن أياً من هذه العناوين لا يجيب وحده عن السؤال الحاسم: أين الجيش الذي سيدخل البر اليمني، وبأي كلفة، ولأي مدّة، وفي مواجهة أي ميزان قوى؟ ما دام الجواب غائباً، تبقى استعادة الساحل عنواناً سياسياً أكثر منها خطة عسكرية مكتملة، ويصبح البحث عن ترتيب سياسي وأمني للملاحة أقل كلفة من اختبار حرب برية جديدة.

تم اختبار القوى اليمنية المناوئة لأنصار الله، وتم حشد مجموعات جاءت من سورية وأخرى من تنظيم القاعدة، وكلها فشلت، ومن جرّب المجرّب عقله مخرّب.

البناء

captcha