حين يُدانُ الحارس ويَنجو الغادر
إبراهيم مصطفى
ما أصعب أن يقف ابنُ وطنك ضدك، وأنت تواجه عدوَّ وطنك، فيما طائراته تحلّق فوق رأسك، وقذائفه تهدم البيوت، ورصاصه يحصد الأرواح، ويدفع الناس إلى النزوح عن أرضهم.
يمكن أن نختلف مع المقاومة، وأن نناقش سلاحها وخياراتها وتوقيتها، فهذا شأن سياسي مشروع، ومن حق كلّ مواطن أن يطرح الأسئلة التي يريدها،
لكن السؤال الذي لا يجوز القفز فوقه هو: أين تبدأ المسؤولية، ومن هو المعتدي؟
حين تُقصف قرى الجنوب، وتُدمّر المنازل، وتُهجّر العائلات، وتسقط الضحايا، تصبح الحقيقة الأولى واضحة: هناك عدوان واقع على الأرض، وهناك أهل يحاولون حماية أرضهم ووجودهم،
المشكلة تبدأ حين تنقلب الأولويات، فيتحوّل المدافع إلى القضية، بينما يتراجع المعتدي إلى هامش المشهد، وكأن العدوان مجرد تفصيل يمكن تأجيل الحديث عنه
وهنا لا يعود الخلاف سياسياً فحسب، بل يصبح انقلاباً في مفهوم المسؤولية،
فالذي يبدأ القصف ليس كمن يردّ عليه، ومن يشنّ العدوان ليس في الموقع نفسه مع من يحاول دفعه عن أرضه، ولا يمكن للميزان أن يستقيم إذا وُضع المعتدي والمدافع في كفة واحدة،
النبطية وقراها، وسائر قرى الجنوب، لا تحتاج إلى دروس في معنى العدوان،
البيوت التي هُدمت، والطرقات التي خلت من أهلها، والعائلات التي حملت ما استطاعت من ذكرياتها ورحلت، والدماء التي ما زالت شاهدة على ما جرى، كلها تقول إنّ هناك قوة تعتدي، وإنّ هناك أرضاً تدفع ثمن هذا الاعتداء.
يمكن أن نختلف حول كيفية مواجهة العدوان، وحول الوسائل والخيارات والتوقيت، لكن لا ينبغي أن يتحوّل اختلافنا حول الوسيلة إلى خلاف حول أصل الحقيقة،
فلا يُطلب من ابن الجنوب أن يقف متفرّجاً على أرضه وهي تُقصف، ثم يُطلب منه أن يبرّر حقه في الدفاع عنها،
ولا يستقيم أن يتحوّل النقاش كله إلى مساءلة من يواجه العدوان، فيما يبقى من يشنه خارج دائرة السؤال.
الأخطر من القصف نفسه أن ينجح العدوان في إعادة ترتيب الوعي، بحيث يصبح الدفاع تهمة، والمقاومة موضع الاتهام الأول، بينما يُعامَل المعتدي كأنه طرف آخر في نزاع متكافئ،
عندها لا يكون العدو قد أصاب الحجر وحده، بل يكون قد أصاب معنى العدالة في الوعي الوطني.
نختلف مع المقاومة إنْ شئنا، ونناقش سلاحها وخياراتها ومسارها، ونحاسبها سياسياً حيث يجب أن تكون المحاسبة،
لكن لا نساوي بينها وبين من يعتدي،
نناقش سلاحها، ولا نغفل عن سلاح العدو،
نحاسب في الداخل، ولا نُسقط المساءلة عن المعتدي في الخارج،
فالاختلاف حق، والمساءلة حق، والنقد حق، أما قلب مواقع المسؤولية فشيء آخر، وأقسى ما يمكن أن يعيشه وطن أن يجد ابنُه نفسه مضطراً إلى الدفاع عن حقه في الدفاع عن أرضه، ثم يجد نفسه في الوقت ذاته مضطراً إلى الدفاع عن نفسه أمام أبناء وطنه،
عندها يصبح الانقسام أكثر من خلاف سياسي، يصبح ثغرة في الوعي، يدخل منها المعتدي من دون أن يطلق رصاصة واحدة.
وهنا يجب أن تستقيم البوصلة،
لا نحتاج إلى إجماع على كلّ شيء، ولا إلى تطابق في المواقف، ولا إلى إلغاء الاختلاف.
نحتاج إلى اتفاق على حقيقة واحدة: من يعتدي على الأرض والناس يجب أن يبقى في قلب المساءلة، مهما اختلفنا حول الطريقة التي ينبغي أن يُواجَه بها.
لأنّ أخطر لحظة على أيّ وطن ليست حين يُقصف حجره،
بل حين يختلط عليه السؤال: من الذي بدأ الجريمة، ومن الذي يحاول منعها؟
وحين يُدانُ الحارسُ ويَنجو الغادر، لا تكون المأساة في تبدّل الكلمات وحدها، بل في اختلال البوصلة التي تميّز بين من يقتحم الأرض ومن يحاول حمايتها.
فإذا صار الدفاع جريمة، وغاب المعتدي عن قفص الاتهام، يكون العدوان قد تجاوز حدود النار إلى الوعي،
وحينها لا يعود الخطر في القذيفة وحدها، وإنما في اللحظة التي يصبح فيها الحق نفسه بحاجة إلى من يدافع عنه…