متى تبدأ جولة الحرب الواسعة ضدّ إيران؟
د. رضا الشاب
ليس أصعب من خوض الحرب، بالنسبة إلى دولة عظمى، سوى الخروج منها من دون أن تعترف بأنها لم تحقق ما أرادته منها. وهذه، في جانب كبير منها، هي العقدة التي تبدو الولايات المتحدة الأميركية عالقة فيها.
فالحرب التي بدأت ضدّ إيران لم تعد مجرد عملية عسكرية يمكن قياس نتائجها بعدد المنشآت المدمّرة أو القيادات المستهدفة، بل بقدرة النظام الإيراني على إعادة إنتاج نفسه، وبقدرته على الحفاظ على أدوات قوته وعلى شبكة نفوذه الإقليمي رغم الضربات التي تلقاها. وبعد أشهر من المواجهة، اتسعت الحرب حتى أصبحت شبكة من الجبهات والممرات البحرية وأسواق الطاقة والتحالفات الإقليمية، فيما بقي السؤال الأصعب معلّقاً: ماذا تحقق فعلياً، وماذا بقي بعيداً عن متناول اليد الأميركية ـ “الإسرائيلية”؟
في الظاهر، هناك حديث أميركي معلن عن قرب نهاية الحرب، وعن ترتيبات لمرحلة ما بعدها، وعن اتصالات سياسية يُفترض أن تفتح طريقاً للخروج من الأزمة. لكن في مكان آخر من المشهد، وتحديداً في أوروبا، كانت التحضيرات العسكرية تستعيد إيقاعها، بحسب ما كشف موقع «أكسيوس» الأميركي.
المكان: ألمانيا.
الزمان: 15 أيلول الفائت.
منظّم اللقاء: قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر.
المشاركون: رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، وقادة عسكريون كبار ورؤساء أركان من السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر.
والعنوان المعلن للمباحثات، وفق ما كشفته التقارير، كان الحرب على إيران والتوترات الإقليمية المتصلة بها.
وهنا تبدأ القصة الفعلية. لأنّ اجتماعاً من هذا النوع، في هذا التوقيت تحديداً، لا يمكن فصله عن سؤال أكبر بكثير من اليمن أو البحر الأحمر: ماذا يدور في عقل ساكن البيت الأبيض اليوم؟
تصريحات دونالد ترامب الأخيرة تجعل المسألة أكثر جدية. فقد تحدث الرئيس الأميركي عن اقترابه من قرار كبير بشأن ما إذا كان سيستأنف هجمات واسعة على إيران في محاولة لإنهاء الحرب، واضعاً المسألة أمام خيار شديد الوضوح: إما البحث عن مخرج، أو العودة إلى التصعيد الكبير. كما أنّ الإدارة الأميركية أبقت قواتها في المنطقة في حالة استعداد لعمليات جديدة إذا صدر القرار بذلك.
وهنا يصبح عامل الوقت أكثر أهمية من أيّ وقت مضى. فالانتخابات النصفية الأميركية تقترب. وفي مثل هذه اللحظات، لا تنظر الإدارة إلى الحرب باعتبارها ملفاً خارجياً فقط. الاقتصاد حاضر، وأسعار النفط حاضرة، والقواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة حاضرة، والخسائر المحتملة حاضرة أيضاً. وكلما اقترب موعد الانتخابات، تضيق المساحة المتاحة أمام إدارة تخوض حرباً لم تُغلق ملفاتها بعد.
لكن المفارقة أنّ الحرب نفسها لم تعد تسمح بإغلاق ملفاتها بسهولة. اليمن، مثلاً، لم يعد مجرد هامش في المواجهة الإيرانية. هجمات أنصار الله الأخيرة على الرياض في محاولة لكسر الحصار السعودي على اليمن، والتي طالت مواقع حساسة، أظهرت أنّ الجبهة اليمنية قادرة على نقل الحرب مباشرة إلى العمق السعودي. وقد انعكس التصعيد سريعاً على أسواق الخليج(الفارسي)، التي شهدت تراجعاً مع تصاعد المخاوف من اتساع نطاق المواجهة.
والأكثر أهمية أنّ تقدّم أنصار الله على ساحل البحر الأحمر أعاد وضع باب المندب في قلب المعادلة. فما كان يُنظر إليه لسنوات بوصفه جبهة يمنية يمكن احتواؤها، بات اليوم جزءاً من صراع على ممرات استراتيجية تمسّ التجارة والطاقة والأمن الإقليمي والدولي. وهنا تحديداً تبدو السعودية أمام المعضلة الأصعب.
فالرياض لا تحتاج فقط إلى معرفة ما إذا كانت واشنطن ستواصل حربها مع إيران؛ بل تحتاج إلى معرفة ما إذا كانت إدارة ترامب مستعدة فعلاً لتحمّل نتائج اتساع الحرب على دول الخليج(الفارسي). وهذا سؤال مختلف تماماً. إذ إنّ الضمانة الأميركية تبدو أقلّ وضوحاً عندما تصبح القواعد والمطارات والمنشآت النفطية والممرات البحرية أهدافاً محتملة.
وقد ازدادت حساسية هذا السؤال بعدما رفض ترمب، وفق تقارير حديثة، تقديم دعم عسكري أميركي مباشر للسعودية في مواجهة الحوثيين. وهكذا تجد الرياض نفسها أمام معادلة قاسية: الحرب مع إيران قد تبدو لبعض دوائر القرار طريقاً إلى إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة، لكن الطريق إلى ذلك يمرّ فوق جبهة يمنية مفتوحة، وفوق اقتصاد خليجي شديد الحساسية للطاقة والملاحة، وفوق منطقة لم تعد تفصل فيها الجبهات حدود الدول كما كانت تفعل سابقاً.
لهذا، فإنّ الحديث عن الجولة الثانية من الحرب على إيران ليس بالضرورة أن يبدأ من طهران وحدها. يمكن أن يبدأ من البحر الأحمر، ومن باب المندب، ومن هرمز، ومن القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة، وأيضاً من “إسرائيل”.
فإذا قرّرت واشنطن العودة إلى خيار الضربات الواسعة، يصعب تصوّر أن تبقى “إسرائيل” خارج المشهد العسكري. وقد يكون التدخل “الإسرائيلي” المباشر أحد أكثر السيناريوات التي تستحق المتابعة، خصوصاً أنّ تل أبيب كانت شريكاً أساسياً في المواجهة السابقة، وأنّ أيّ تصعيد أميركي كبير قد يفتح أمامها المجال لاستكمال ما تعتبره أهدافاً لم تُحسم بعد.
إيران بدورها، تعرف الآن شكل القوة التي يمكن أن تستخدمها واشنطن وتل أبيب، وتعرف أيضاً حدود تلك القوة. وحلفاء طهران في المنطقة لم يعودوا يتحركون في الظروف نفسها التي سبقت الحرب. واليمن تحديداً أظهر أنّ امتلاك القدرة على تهديد الممرات البحرية يمكن أن يحوّل جبهة بعيدة جغرافياً إلى عامل ضغط مباشر على عواصم كبرى. فقوّة الدول وحركات المقاومة لا تُقاس فقط بما تستطيع تدميره، بل أيضاً بما تستطيع تعطيله وبالكلفة التي تستطيع فرضها على أعدائها. وهذا ما بدأت أسواق النفط تسعّره.
ومن هنا، فإنّ أيّ ضربة كبيرة ضدّ إيران قد تحمل معها احتمال فتح أكثر من جبهة في وقت واحد: اليمن والبحر الأحمر، الخليج(الفارسي) ومضيق هرمز، العراق، ولبنان، فضلاً عن احتمال اتساع المواجهة المباشرة بين إيران و”إسرائيل”. وهذا تحديداً ما يجعل أيّ جولة مقبلة أكثر خطورة من سابقتها.
أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً: إذا أنهت جولة الحرب العتيدة المفترضة من دون نتيجة سياسية تتناسب مع حجم القوة التي استخدمتها، فإنّ خصومها سيقرأون ذلك باعتباره هزيمة. وإذا قرّرت العودة إلى الحرب، فعليها أن تضمن أولاً أنّ الجولة الجديدة لن تتحول إلى حرب إقليمية مفتوحة يصعب تحديد نهايتها.
لا أحد يستطيع الجزم بأنّ الحرب ستتجدّد وشيكاً، لكن المؤشرات المتراكمة تقول إنّ المنطقة دخلت مرحلة شديدة الخطورة. وأيّ تصعيد كبير ضدّ إيران لن يختبر القدرة العسكرية لطهران وحدها، بل سيختبر أيضاً قدرة الولايات المتحدة و”إسرائيل” وحلفائهما على ضبط سلسلة من الجبهات التي قد تفتح في وقت واحد، من البحر الأحمر إلى الخليج(الفارسي)، وربما من العراق إلى لبنان.
وعندها قد تتحوّل الضربة التي يُراد لها أن تكون بداية للحسم إلى بداية لحرب جديدة لا يملك أحد ضمانة نهايتها. وربما عند تلك اللحظة فقط، نكتشف أنّ الحرب لم تكن متوقفة أصلاً، وأنّ ما جرى خلال الأشهر الماضية لم يكن سوى إعادة تموضع بين جولتين، والواقع الميداني في النهاية سيفرض شروطه فوق رغبات وأوهام الجميع.
فالشرق الأوسط، كما يعرف أبناؤه جيداً، لا يحتاج دائماً إلى إعلان الحرب كي تبدأ. أحياناً، يكفي أن تنتهي كلّ محاولات تأجيلها…