ترامب يعلن من الأمم المتحدة الحرب على القانون الدولي
– لم يكن كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد هجوم جديد على المحكمة الجنائية الدولية، ولا تكراراً للموقف الأميركي التقليدي الرافض لاختصاصها على المواطنين الأميركيين. الجديد والخطير أنه دعا جميع الدول الأعضاء في المحكمة إلى الانسحاب منها فوراً، بعدما وصفها بأنها مؤسسة خارجة عن السيطرة وجماعة شريرة. وبذلك استخدم رئيس الدولة التي تستضيف مقرّ الأمم المتحدة منبر المنظمة الدولية للدعوة إلى تفكيك إحدى أهم مؤسسات العدالة الدولية. والمحكمة، وإن لم تكن جهازاً تابعاً للأمم المتحدة، تنتمي إلى المنظومة القانونية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية لجعل القوة خاضعة لقواعد، ومنع الدول الكبرى من منح نفسها وحلفائها حصانة مطلقة.
– لا تبدأ الحكاية مع خطاب اليوم؛ ففي عام 2002 سحبت إدارة جورج بوش توقيع الولايات المتحدة على نظام روما، وأقرّ الكونغرس قانون حماية أفراد القوات الأميركية، الذي أجاز استخدام إجراءات واسعة لمنع تسليم أميركيين إلى المحكمة. لكن ترامب نقل هذا التحفظ إلى مشروع متكامل لتفكيك المؤسسات الدولية التي لا تقبل التحول إلى أدوات في السياسة الأميركية. وفي ولايته الأولى انسحب من اتفاق باريس للمناخ، ومن اليونسكو، ومجلس حقوق الإنسان، والاتفاق النووي الإيراني الذي أقرّه مجلس الأمن، ومعاهدة الصواريخ النووية المتوسطة، ومعاهدة الأجواء المفتوحة، وبدأ الانسحاب من منظمة الصحة العالمية. كما أوقف تمويل الأونروا، مستهدفاً المؤسسة التي تختزن في وجودها القانوني الاعتراف الدولي بقضية اللاجئين الفلسطينيين.
– شكلت المحكمة الجنائية عنوان المواجهة الأشد. عندما اقترب التحقيق من جرائم محتملة ارتكبها عسكريون أميركيون في أفغانستان، فرضت إدارة ترامب قيوداً على تأشيرات مسؤولي المحكمة. وفي عام 2020 أعلنت المحكمة تهديداً للأمن القومي الأميركي، وفرضت عقوبات مالية على المدعية العامة فاتو بنسودا ومسؤولين يعملون معها. كانت الرسالة واضحة: القاضي الدولي يصبح مجرماً في نظر واشنطن عندما يطبق القانون على أميركا، بينما يصبح القضاء الدولي شرعيّاً عندما يطارد خصومها.
– في الولاية الثانية تحوّلت الحملة من سلسلة انسحابات متفرقة إلى سياسة منهجية. بدأت واشنطن الانسحاب مجدّداً من اتفاق باريس ومنظمة الصحة العالمية، ثم أنهت مشاركتها في مجلس حقوق الإنسان، وثبتت وقف تمويل الأونروا، وفتحت مراجعة شاملة لعلاقتها بالمنظمات الدولية. وفي السادس من شباط 2025 أصدر ترامب أمراً تنفيذياً بفرض عقوبات على المحكمة رداً على مذكرتي توقيف بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت. أُدرِج المدعي العام كريم خان على لائحة العقوبات، ثم توسّعت اللوائح لتشمل قضاة ومسؤولين في المحكمة، ووصلت إلى مقررة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين فرانشيسكا ألبانيزي ومؤسسات حقوقية فلسطينية وثقت الجرائم وتعاونت مع المحكمة.
– لم تعد العقوبات تستهدف قراراً قضائياً بعينه، بل البيئة الكاملة التي تجعل المحاسبة ممكنة: القاضي، والمدعي العام، والخبير الحقوقي، والمؤسسة التي تجمع الأدلة، والمصرف الذي يحول الأموال، والدولة التي تنفذ مذكرة التوقيف. ثم جاء إعلان الانسحاب الأميركي من عشرات المنظمات والهيئات والاتفاقات الدولية، والحملة الدبلوماسية للضغط على الدول التي تستضيف قواعد أميركية أو تستفيد من الحماية الأميركية كي ترفض اختصاص المحكمة. وهكذا انتقلت واشنطن من القول إنّها غير ملزمة بنظام روما إلى تهديد الدول الملتزمة به إذا أوفت بتعهداتها.
– خطاب ترامب في نيويورك هو ذروة هذا المسار؛ لأنه يطلب من العالم الاعتراف بأن السيادة الأميركية أعلى من القانون الدولي، وأن التحالف مع “إسرائيل” يمنح حصانة من المحاسبة، وأن المؤسسة التي تعجز واشنطن عن إخضاعها يجب تدميرها. ليست القضية إذاً إصلاح محكمة يشوب عملها البطء والانتقائية، بل إلغاء مبدأ وجود مرجعية تستطيع مساءلة الأقوياء. أما الأمم المتحدة نفسها فتتعرّض للحصار المالي والسياسي، وتُستهدف وكالاتها واحدة بعد أخرى، فيما تستخدم واشنطن حق النقض لحماية الحروب والاحتلال والاستيطان، ثم تعاقب المؤسسات التي توثق نتائج هذه الحماية.
– الأخطر أن هذه السياسة تحول العقوبات الأميركية الأحادية إلى محكمة فوق المحكمة. فلا جلسة استماع، ولا حق دفاع، ولا استئناف، بل قرار صادر عن السلطة التنفيذية الأميركية يكفي لعزل قاضٍ دولي عن النظام المصرفي العالمي، ومعاقبة كل من يتعامل معه، وفرض القانون الأميركي خارج الحدود.
– المشروع الذي عرضه ترامب لا يقيم نظاماً دولياً بديلاً، بل يعيد العالم إلى ما قبل الميثاق: القوة تصنع الحق، والدولة الأقوى تحدّد من هو المجرم ومن هو الضحية، ومن يستحق العقوبة ومن يتمتع بالحصانة. لذلك لا تخصّ المعركة المحكمة وحدها ولا فلسطين وحدها؛ إنها معركة كل دولة متوسطة أو صغيرة تحتاج إلى قاعدة تحميها من شريعة الغاب. وعندما يصمت العالم عن معاقبة قاضٍ لأنه لاحق مسؤولاً إسرائيلياً، فإنه يوقع سلفاً على إسقاط الحماية القانونية عن شعوبه ودوله. الدفاع عن المحكمة والأمم المتحدة والقانون الدولي ليس دفاعاً عن مؤسسات كاملة أو عادلة دائماً، بل عن المبدأ الأخير الذي يفصل النظام الدولي عن حكم القوة العارية.
البناء