التسوية تنحسر… وسبع جبهات تستعدّ لساعة الصفر؟
عباس المعلم
تتراجع مساحة التسوية في المنطقة على وقع معادلة تزداد قسوة: ترامب يرفع سقف الضغط على إيران ولا تبدو إدارته راغبة في تسوية تنتهي إلى تعادل سياسي وعسكري، فيما تتحرك “إسرائيل” بمنطق مختلف يقوم على محاولة ترجمة التفوق العسكري إلى نتائج أكثر حسماً. وفي المقابل، لا تزال طهران تطرح شروطاً للعودة إلى المفاوضات، ما يعني أنّ الباب الدبلوماسي لم يُغلق تماماً، لكنه يضيق تحت ضغط التصعيد المتبادل. وقد هدّد ترامب إيران في 20 أيلول بعواقب شديدة ما لم تتجه إلى التفاوض، بينما ردّت طهران بالتحذير من ردّ واسع إذا تعرّضت لهجوم جديد.
الأكثر دلالة، مع ذلك، ليس الخطاب السياسي وحده، بل ما يجري داخل المؤسسة العسكرية “الإسرائيلية”. الجيش نفّذ في أيلول مناورة مفاجئة لاختبار قدرته على التعامل مع حدث «مفاجئ ومعقد ومتعدّد الجبهات وواسع النطاق»، واستدعى قيادات مختلف الأذرع وفعّل قوات التأهّب؛ ثم أعلن لاحقاً تعزيز قواته على مختلف الجبهات. وبالتوازي، كشفت وزارة الدفاع “الإسرائيلية” عن تسريع إنتاج الذخائر الجوية، وقالت صراحة إنّ ذلك يأتي تحسّباً لمتطلبات الحرب مع إيران واحتمال توسعها إلى ساحات إضافية.
من هنا، يصبح الحديث عن سبع جبهات أقرب إلى توصيف بنية الاستعداد “الإسرائيلي” منه إلى إعلان خطة هجومية محددة. فالسيناريو الذي يجري التدرّب عليه يقوم على إمكانية اشتعال ساحات متعددة في توقيت متقارب، من إيران إلى لبنان وسورية والعراق واليمن وغزة والضفة الغربية. وإذا تحوّلت المواجهة مع إيران إلى جولة جديدة، فقد تحاول “إسرائيل” جعلها سريعة وعالية الكثافة، بهدف منع خصومها من امتلاك الوقت الكافي لتحويل تعدد الجبهات إلى حرب استنزاف طويلة. لكن حتى الآن لا توجد معلومات علنية موثوقة تثبت أنّ قرار فتح هذه الجبهات السبع اتُّخذ بالفعل.
أما نيويورك، فقد تصبح خلال اجتماعات الجمعية العامة مساحة اختبار أخيرة بين السياسة والنار. لكن المعطيات المنشورة حتى الآن تشير إلى أنّ لقاء ترامب ونتنياهو على هامش الاجتماعات غير مؤكد، بل أفادت تقارير حديثة بأنّ انعقاده غير مرجح. لذلك، فإنّ المؤشر الأثقل ليس اللقاء بحدّ ذاته، بل تزامن رفع الجهوزية “الإسرائيلية” مع تصاعد الضغط الأميركي على إيران: إذا فشلت نافذة التفاوض الحالية، فإنّ السؤال قد ينتقل سريعاً من هل تقع جولة عسكرية جديدة؟ إلى ما حجمها، وكم جبهة ستدخل إليها منذ الساعات الأولى…؟