أسعار الوقود تفتح أبواب الشارع
ناصر قنديل
لم يعد ارتفاع أسعار البنزين والديزل مجرد قضية اقتصادية تقاس بمعدلات التضخم والعجز المالي. تقرير «الراصد المالي» الصادر عن صندوق النقد الدولي في نيسان 2026 يضع الاضطراب الاجتماعي داخل معادلة الاقتصاد الكلي، ويخلص إلى أن اتساع الاحتجاجات لا يقتصر على تهديد الحكومات سياسياً، بل يتحول سريعاً إلى خسارة في النمو واتساع في العجز، فتدخل الدولة حلقة يصعب الخروج منها: ارتفاع الأسعار يولّد الاحتجاج، والاحتجاج يضعف النشاط الاقتصادي، وتراجع النمو يقلل إيرادات الدولة، بينما تضطر الحكومة إلى زيادة الإنفاق لاحتواء الشارع.
يقول التقرير إن ارتفاعاً بمقدار انحراف معياري واحد في مؤشر الاضطرابات الاجتماعية يرتبط بانخفاض النمو الحقيقي بنحو نصف نقطة مئوية، وارتفاع العجز الأولي بنحو 0.2 نقطة من الناتج المحلي خلال السنة الأولى. ولا يتوقف الأثر عند لحظة الاحتجاج، بل يمتد إلى السنوات التالية بفعل تراجع الاستثمار والاستهلاك، واضطراب الإنتاج، وارتفاع كلفة الاقتراض، واتساع الحاجة إلى الدعم الاجتماعي.
تظهر هنا أهمية أسعار الوقود. فالبنزين والديزل ليسا سلعتين عاديتين داخل سلة الاستهلاك، لأن ارتفاعهما يعيد تسعير الاقتصاد كله. البنزين يضغط مباشرة على حركة الأفراد، بينما ينتقل ارتفاع الديزل إلى النقل والشحن والزراعة والمولدات والصناعة، ومنه إلى الغذاء والدواء والكهرباء وسائر الخدمات. لذلك يكون ارتفاع سعر الديزل أخطر من ارتفاع سعر النفط الخام، لأن البرميل مؤشر عالمي، أما سعر المضخة فهو ما يدخل في الموازنة اليومية للعائلة وكلفة إنتاج كل سلعة.
تضيف دراسة نشرها صندوق النقد حول أسعار الوقود والاضطرابات الاجتماعية عام 2024 أن ارتفاع أسعار البنزين والديزل يرتبط خصوصاً بزيادة المظاهرات المناهضة للحكومة. وشملت الدراسة 101 دولة نامية خلال الفترة 2001–2020، وأظهرت أن الخطر يتضاعف في فترات الركود واضطراب سعر الصرف، وعندما يكون الإنفاق الحكومي على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعيّة منخفضاً، وحين تترافق الأزمة مع تفاوت اجتماعيّ مرتفع وفساد وضعف مؤسسيّ.
لم تثبت الدراسة وجود نسبة سحرية موحدة يبدأ عندها الانفجار. فقد اختبر الباحثون أثر الزيادات التي تتجاوز وسيط العينة، لكن النتيجة لم تسمح بتحديد عتبة عالمية تصلح لجميع الدول. وهذا مفهوم، لأن زيادة بنسبة 20% في بلد مرتفع الدخل تختلف عن الزيادة نفسها في بلد تنفق الأسرة الفقيرة فيه معظم دخلها على الغذاء والنقل والطاقة. لكن غياب العتبة الموحّدة لا يعني غياب الخطر، بل يعني أن قدرة المجتمع على الاحتمال هي العتبة الفعلية.
اليوم تبدو التطورات أسرع وأشد من معظم الحالات التي بُنيت عليها الدراسات. فالحديث يدور عن زيادات تقارب 50% في أسعار المشتقات أو تقترب منها في عدد من الأسواق، وسط نمو ضعيف، وأجور لم تلحق بالتضخم، وحكومات مثقلة بالديون لا تملك القدرة على إعادة الدعم الشامل. وإذا وصلت هذه الزيادة كاملة إلى سعر البنزين والديزل عند المضخة، فإننا لا نكون أمام إنذار مبكر، بل أمام دخول مباشر إلى منطقة الاضطراب.
تقدّم سورية عيّنة واضحة على آليّة الانتقال من السعر إلى الشارع. لم يكن ضرورياً أن يسبق الانفجار انهيار جديد وكبير في سعر الصرف؛ فقد كان رفع أسعار الطاقة كافياً لضرب شبكة التوازن الاجتماعي. عندما ترتفع كلفة المحروقات في اقتصاد يعتمد جزء كبير من نقله وإنتاجه وكهربائه على الوقود، تنتقل الصدمة فوراً إلى الخبز والغذاء والمواصلات والخدمات، بينما يبقى الدخل ثابتاً. وبذلك يتحوّل سعر الوقود إلى ضريبة غير معلنة تطاول الجميع، لكنها تكون أشدّ قسوة على الفئات الفقيرة.
ورد في تقرير الصندوق أن أحد التقديرات شمل 28 دولة بين 1990 و2024، بينما يقول الملحق التقني إن العينة غير المتوازنة بدأت بنحو 90 دولة في منتصف التسعينيات، وارتفعت إلى قرابة 130 دولة في السنوات اللاحقة. لم ينشر الصندوق أسماء هذه الدول، ولم يقل إن حكوماتها مهددة بالسقوط؛ فالأرقام تصف حجم العينات الإحصائية فقط. لكن اتساع العينة يمنح الاستنتاج ثقلاً عالمياً: العلاقة بين الضيق الاقتصادي والاضطراب ليست محصورة بمنطقة أو نظام سياسي أو مستوى دخل معين.
الخلاصة أن العالم يدخل مرحلة قد تتجاوز نطاق السيناريوهات التي اختبرتها تقارير الصندوق. فإذا كانت الدراسات قد أثبتت أثر ارتفاعات أقل حجماً ومتباعدة زمنياً، فإن زيادات تقارب 50% ومتزامنة عبر عشرات الدول تعني أن الصدمة المقبلة لن تكون محلية. ما جرى في سورية يمكن أن يكون عينة مبكرة لما قد يظهر بأشكال مختلفة في أكثر من 28 دولة، وربما ضمن دائرة أوسع تبلغ 90 أو 130 دولة.
لن تسقط الحكومات كلها، ولن تنفجر المجتمعات بالطريقة نفسها، لكن القاعدة واحدة: عندما يصبح سعر الوصول إلى العمل، ونقل الغذاء، وتشغيل الكهرباء أكبر من قدرة الأجر على الاحتمال، ينتقل العجز من موازنة الأسرة إلى الشارع. وعندها لا يعود السؤال هل ستقع اضطرابات، بل أين تبدأ أولاً، وأيّ الحكومات تملك المال والشرعية والسرعة الكافية لمنع انتقال شرارة الوقود إلى حريق سياسي عالمي.