اليمن: من باب المندب إلى أبواب تعز
– لم يعد التطور العسكري الأهم في اليمن هو وصول أنصار الله إلى المخا وذوباب وباب المندب، على أهمية هذا التحول الذي غيّر خلال أيام خريطة التوازنات الاستراتيجية الإقليمية وربما الدولية، فالمعركة انتقلت بعد الساحل إلى الجبال، ومن الجبال إلى أطراف مدينة تعز. وتفيد معلومات ميدانية بأن أنصار الله أنجزوا السيطرة على القسم الحاسم من المرتفعات التي يحتاجون إليها لتأمين ظهر انتشارهم الجديد على الساحل، بينما تؤكد المصادر المفتوحة وصول الاشتباكات إلى جبل جرة ومحيط جولة القصر شرق تعز وجبهة الضباب غربها. وما تزال معارك كرّ وفرّ تدور في أجزاء من الحزام الجبلي، وخصوصاً كهبوب والوازعية، وفق المصادر المنشورة.
– عندما دخل أنصار الله المخا ووصلوا إلى ذوباب وباب المندب، كان السؤال العسكري الأول: هل يستطيعون الاحتفاظ بالساحل؟ فالساحل أرض مكشوفة نسبياً أمام الطيران والقصف، والسيطرة عليه من دون السيطرة على المرتفعات الشرقية تعني بقاء القوات المنتشرة فيه تحت ضغط هجوم مضاد دائم. لذلك لم يكن انتقال المعركة إلى الجبال مفاجئاً، بل كان المرحلة الطبيعية التالية من العملية. وتكفي قراءة الخريطة لفهم ذلك. خلف الساحل يمتد قوس جبلي من جبل حبشي والكدحة والوازعية، نزولاً باتجاه جرداد وكهبوب والمضاربة، وصولاً إلى المرتفعات التي تحمي باب المندب. هذه الجبال ليست مجموعة جبهات منفصلة، بل منظومة جغرافية واحدة. من يسيطر عليها يستطيع مراقبة الطرق بين الساحل والداخل، وقطع خطوط الإمداد أو حمايتها، وتوفير العمق العسكري للقوات المنتشرة في المخا وذوباب.
– ولهذا تقول خمسة مصادر عسكرية يمنية موالية للسعودية لرويترز إن هدف هجوم أنصار الله على المرتفعات هو تأمين ظهر قواتهم حول باب المندب وفتح جبهات جديدة. وهذا الاعتراف مهم، لأنه يثبت أن معركة الجبال ليست معركة محلية على قرية أو قمة، بل المرحلة الثانية من عملية باب المندب. لكن المفاجأة أن المرحلة الثانية فتحت تلقائياً مرحلة ثالثة تستهدف السيطرة على تعز. فالتحرك شرقاً عبر الجبال يقود جغرافياً نحو المداخل الغربية والجنوبية الغربية للمدينة. وفي الوقت نفسه يملك أنصار الله وجوداً قديماً شمال تعز وشرقها. وهكذا يصبح الضغط القادم من الغرب والجنوب الغربي قادراً، إذا اكتمل، على تغيير وضع المدينة كله.
– اليوم تدور الاشتباكات في جبل جرة، وعلى المنفذ الشرقي في محيط جولة القصر، وفي الضباب والخط الرئيسي غرب المدينة. وهذه أسماء مختلفة عما كنا نسمعه قبل أسبوع عندما كانت الأخبار تتركز على المخا والوازعية والكدحة. إنها أسماء ترتبط مباشرة بمدينة تعز ومداخلها. وهذا وحده يكفي للقول إن مركز ثقل المعركة تحرك من الساحل نحو المدينة. لكن هل أصبحت تعز مطوقة؟ الجواب الدقيق حتى الآن: ليس بصورة مثبتة وكاملة. المفتاح هو الجنوب، وخصوصاً محور البيرين والطريق الذي يربط تعز بالنشمة والتربة ثم عدن. ما دام هذا المحور مفتوحاً بصورة عملية، يبقى الحديث عن طوق كامل سابقاً لأوانه. أما إذا قُطع الطريق بالتزامن مع الضغط من الشرق والغرب، فإن الوضع العسكري يتغير جذرياً.
– هنا تظهر أهمية البيرين أكثر من أهمية كثير من المواقع التي تتصدر الأخبار. السيطرة عليها لا تعني مجرد إضافة مساحة جديدة إلى الخريطة؛ إنها تعني تهديد آخر شريان بري رئيسي يربط تعز بالجنوب. وعندها تصبح مواقع أنصار الله شمال المدينة وشرقها جزءاً من طوق، بدلاً من كونها مجرد خطوط تماس قديمة.
– والخريطة الجديدة تكشف أن العملية يمكن قراءتها بالعكس أيضاً. في البداية بدا أن أنصار الله يريدون باب المندب، ولذلك تحركوا جنوباً على الساحل. بعد ذلك بدا أنهم يريدون الجبال لحماية باب المندب. أما اليوم، فإن السيطرة على الجبال نفسها تفتح أمامهم فرصة الضغط على تعز. أي أن هدفاً يولّد هدفاً آخر بفعل الجغرافيا. وهذا هو الفارق بين معركة مواقع ومعركة تغيير خريطة. في معركة المواقع يمكن أن تسقط قرية وتُستعاد، أو تنتقل قمة من طرف إلى آخر. أما عندما يصبح هناك خط جغرافي مترابط يبدأ من البحر وينتهي عند مدينة بحجم تعز، فإن السؤال يصبح عن شكل اليمن الذي ستنتجه الحرب.
– إذا ثبتت المعلومات الميدانية عن اكتمال السيطرة على القسم الحاسم من الحزام الجبلي، وإذا استمر انتقال الاشتباكات نحو أطراف تعز، فنحن أمام مرحلة جديدة تختلف جذرياً عن معركة المخا. يصبح باب المندب هو نقطة البداية، وليس نهاية العملية، وتصبح تعز مركز الثقل التالي. لذلك لا ينبغي أن ننشغل كثيراً اليوم بالسؤال: من يسيطر على كل قمة؟ هناك خمسة أسماء تكفي لمتابعة اتجاه الحرب: كهبوب، الوازعية، الكدحة، البيرين، وتعز. إذا بدأت هذه النقاط تتحول إلى خط عملياتي واحد، يكون التحول الجغرافي قد اكتمل.
– عندها لا يعود السؤال: هل سيطر أنصار الله على باب المندب؟ بل يصبح: هل تحولت السيطرة على باب المندب إلى قاعدة انطلاق لإعادة رسم خريطة جنوب غرب اليمن؟ والمعركة التي بدأت من البحر، وانتقلت إلى الجبل، ها هي تصل إلى المدينة. وإذا كانت المخا قد صنعت التحول الأول، فإن تعز قد تكون المكان الذي يحدد حجم هذا التحول وحدوده ومستقبله.
البناء