kayhan.ir

رمز الخبر: 230365
تأريخ النشر : 2026September22 - 20:30

من هندسة الوعي الى تطبيع الفوضى

 

د. حسين حمية

 لم تعد المسكنات الليبرالية قادرة على إصلاح عالم تضطرب فيه السماء والأرض على حدّ سواء، انه الوضع الحرج والخطير الذي يصحّ تسميته “الفوضى العالمية”.

حيث إنّ الأنظمة العالمية التي كانت تضبط العالم لبرهة من الزمن قد تفككت وانقسمت في صميمها.

حسب قول الفيلسوف سلافوفي جيجك: انّ العالم لم يعد منقسماً الى معسكرين واضحين كما في الحرب الباردة، بل أصبحت الانقسامات الايديولوجية تتغلغل داخل كلّ دولة على حدة، حيث تتضاءل مساحات العيش المشترك والتضامن الدولي في وقت يحتاج فيه العالم الى تعاون جماعي لمواجهة الأزمات الكوكبية”.

ما نراه اليوم من تطور وتوسع لدائرة الحروب من حرب روسيا وأوكرانيا الى الحرب الإيرانية الأميركية والعدوان “الإسرائيلي” على لبنان وفلسطين وغيرهما، والحرب المباشرة بين اليمن والسعودية وما حصل من ثورات عربية مقنعة من تونس وليبيا والعراق وسورية وسُمّي بـ “الربيع العربي”، والمأساة الكردية ومشروع “روج أفا” والانقلابات والاستفتاءات في أميركا اللاتينية (بوليفيا وتشيلي وفنزويلا)، واحتجاجات “هونغ كونغ” من تحركات طلابية عمالية في الصين وقضية الصراع في الشرق الأوسط والمعاداة المفارقة للسامية من خلال مهاجمة الخط الممنهج بين “نقد السياسات الاسرائيلية” و”معاداة السامية” ينبّه الى مفارقة عجيبة تتمثل بدعم اليمين المحافظ في أميركا لـ “إسرائيل” رغبة في تحقيق نبوءات دينية أصولية مما يجعل بعض المواقف الصهيونية المتطرفة تتلاقى في جوهرها مع أفكار معادية للسامية حتى وصلنا اليوم الى تغيّر في قواعد اللعبة الجيوسياسية وبدأت تتضح الصورة أكثر من خلال ما نراه اليوم من تكتلات وتحالفات دولية بين العديد من الدول العربية و”إسرائيل” والذي لم يعد تحت الطاولة إنما علنياً، كلّ ذلك يدلّ على:

1 ـ أزمة النظام الرأسمالي وصل الى حدوده القصوى ويهدد البشرية بالتدمير الذاتي.

2 ـ ما جرى في المنطقة العربية عقب عام 2010 ليس مجرد ثورات عربية عفوية أو تحركات شعبية تلقائية بل هو: “هندسة متكاملة لخراب مدروس يعتمد على تفكيك بنية الدولة والمجتمع والهوية من الداخل”.

3 ـ الاستعمار الإدراكي الذي يتمثل بالانتقال من مفهوم “الاحتلال العسكري المباشر” الى “التحكم والاستعمار الادراكي” بهدف هدم المعنى وتفكيك الوعي الجمعي والسيطرة على الشعوب والدول ومقدراتها عبر التكنولوجيا والإعلام والاقتصاد وتزييف المفاهيم (كـ الحرية والديموقراطية).

4 ـ هدف هذه الحروب الرئيسي هو الإخلال بإعادة إنتاج رأس المال والنفط ومصادر الطاقة ليكون الإنتاج في خدمة فئة غنية قليلة من البشر على حساب البشرية المضطهدة والفقيرة في أغلب دول العالم، انها السياسة القذرة.

5 ـ صناعة البيئة الرمادية أيّ تحويل الفوضى الى شكل جديد من أشكال الحكم والنظام القائم لإنتاج حالة دائمة من السيولة الجيوسياسية والتبعية للمراكز، فالفوضى العالمية التي نعيشها اليوم لم تكن قضاء وقدراً بل برنامجاً وهندسة، تمّت إدارتها بأدوات ناعمة وخشنة لتفكيك الجغرافيا وإعادة صياغة العقول وتفريغ مفاهيم السيادة الوطنية من مضمونها.

انها هندسة الفوضى في امتدادها الجديد عمل لا يقرأ مروراً بل يُقاد اليه مراراً لما يختزنه من بصيرة وما يفتحه من نوافذ على واقع متعدد الطبقات انها “الهندسة الخبيثة من المؤامرة” التي تلبس الأمم العربية لبوس الثورات، من “الربيع العربي” الى الكارثة العرببة الى الحروب كأداة للتطهير البشري الى “الأذرع الناعمة” لمنظمة الصحة العالمية، والبنك الدولي والحكومات الوظيفية، والأمم المتحدة كألة واحدة للشبكات الغامضة والتي تحمل رموزاً سرية مختلفة كـ آلة “للسيطرة الناعمة” وهندسة أدوات برمجة الوعي الجمعي من “أسلاك السيلكون “الى “أسلاك الدماغ” ومن هندسة الخوارزميات الى إدارة الحملات المؤثرة، الى نظريات المؤامرة ومن “هندسة الفوضى” الى “اقتصاد الامكان”.

الخاتمة: لا بدّ للأمة أن تعي وتستيقظ من نومها العميق بأنّ “خريطة الشرق الأوسط الجديد” اليوم لا تُرسم بالمساطر وحدها بل تحفر في النفوس والمناهج، وفي الاقتصاد السياسي للحدود تحوّلت السياسة اليوم الى “مشروطية محاسبية” وخوارزميات تدير الانتباه.

وصلنا الآن الى المرحلة الأخطر وهي “تطبيع الفوضى” حيث يتحوّل فيها الاستثناء الى قاعدة والطارئ الى مألوف والاستقرار الى وضع طبيعي تعيش فيه الشعوب دون “مقاومة حقيقية” هذه المرحلة ليست صدفة بل ذروة هندسة الوعي، بحيث يعاد تشكيل العقل الجمعي ليتكيّف مع الانقسام ويقبله كإطار حياة دائم لا كجسر عبور نحو الاستقرار وتتحول الفوضى من أداة الى بنية.

انه تحويل المجتمع الى كيان بلا أفق واضح كما يقول الفيلسوف “زيرجمبونت باومان” في نظريته عن “الحداثة السائلة” انّ الدولة في زمن اللايقين تسعى الى إبقاء كلّ شيء في حالة سيولة دائمة، لأنّ ما هو سائل لا يمكن الإمساك به أو تنظيمه.

أنّ كلّ ما يخطط له هو لمصلحة قلة من البشر لا تكترث لموت مليارات الناس وهمّها الوحيد أنّ رفاهية القلة تستوجب التحكم في تكاثر الكثرة، لذلك تخاض هندسة الوعي وننتقل بعدها الى هندسة التطبيع، وهندسة الحروب وأغلب الشعوب تتفرج بأمّ عينها لما يخطط لها دون أي صرخة عالمية للخروج من الفوضى الى دائرة العمران الأخلاقي

captcha