حرب إيران ومعادلة الكلفة.. التفوق العسكري لا يكفي واشنطن
تتحول الحرب بين إيران والولايات المتحدة تدريجيا إلى اختبار لقدرة كل طرف على تحمل كلفة مواجهة طويلة، في وقت تفرض فيه العمليات العسكرية المتواصلة أعباء مالية وتسليحية متزايدة على واشنطن.
ان طبيعة الحرب بين إيران والولايات المتحدة بدأت تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، لتتحول إلى صراع يتعلق بقدرة كل طرف على إلحاق الضرر بالآخر، وبالكلفة التي يتعين عليه تحملها لمواصلة العمليات.
وفي مثل هذه المواجهة، لا يقتصر معيار القوة على عدد الصواريخ والطائرات أو مستوى التفوق التكنولوجي، بل تبرز أيضا كلفة إلحاق الضرر بالخصم، والمدة التي يستطيع خلالها كل طرف مواصلة تحمل هذه الكلفة.
وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، التي تمتلك تفوقا تكنولوجيا وجويا واستخباراتيا، لكنها تحتاج إلى إنفاق موارد كبيرة ومكلفة للحفاظ على هذا التفوق في حرب استنزاف طويلة.
في المقابل، تسعى إيران إلى ممارسة جزء من الضغط العسكري باستخدام أدوات تكون كلفة إنتاجها واستخدامها، في كثير من الحالات، أقل من كلفة الأنظمة التي تستخدمها الولايات المتحدة للتصدي لها.
كلفة الحرب الأمريكية تقترب من 43.6 مليار دولار
وكانت مجلة «فورين أفيرز» قد نشرت في الثالث من سبتمبر تحليلا للدبلوماسي الأمريكي السابق جيمس جيفري، وصف فيه الحرب بأنها في حالة «جمود»، ورأى أن واشنطن تستطيع مواصلة الضغط الاقتصادي وفرض حصار متبادل في مضيق هرمز لزيادة الضغط على طهران تدريجيا.
لكن منذ نشر ذلك التحليل، كشفت بيانات جديدة عن حجم الكلفة الأمريكية للحرب. ووفقا لتقديرات القيادة المركزية الأمريكية، بلغت كلفة الحرب حتى الثالث من سبتمبر نحو 43.6 مليار دولار، منها نحو 11.2 مليار دولار للنفقات العملياتية، و28.1 مليار دولار لاستبدال الذخائر المستخدمة، و4.3 مليار دولار لاستبدال المعدات التي فقدت أو تضررت.
ولا تشمل هذه الأرقام الكلفة النهائية للحرب، كما لا تتضمن الأضرار المحتملة التي لحقت بالقواعد الأمريكية في المنطقة والنفقات المستقبلية.
وتكشف هذه الأرقام أن جزءا كبيرا من الكلفة الأمريكية لا يرتبط بإبقاء القوات في المنطقة فحسب، بل باستهلاك واستبدال الذخائر والمعدات المتقدمة، ما يعني أن استمرار الحرب يفرض ضغطا على المخزونات العسكرية وقدرات الإنتاج إلى جانب الضغط المالي المباشر.
وكان مكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي قد قدر، قبل أيام، كلفة الحرب حتى الأول من أغسطس بنحو 38 مليار دولار، مشيرا إلى أن استمرار القتال قد يضيف نحو 2 إلى 3 مليارات دولار شهريا، بحسب مستوى العمليات.
ولا تشمل هذه التقديرات أيضا بعض التكاليف طويلة الأمد، مثل الرعاية الصحية ومزايا العسكريين القتلى والجرحى، فضلا عن بعض النفقات الدبلوماسية وتكاليف إعادة بناء المعدات.
من كلفة إلحاق الضرر إلى كلفة منعه
لا يمكن، بناء على ذلك، قياس معادلة الكلفة من خلال مقارنة الميزانيتين العسكريتين لإيران والولايات المتحدة فقط، إذ تتمثل المسألة الأساسية في المقارنة بين كلفة إلحاق الضرر بالخصم وكلفة منعه.
وفي حال تمكن أحد الأطراف من استخدام أدوات منخفضة الكلفة نسبيا لإجبار الطرف الآخر على استخدام أنظمة دفاعية باهظة الثمن، فإن ذلك يمكن أن يؤثر في جزء من معادلة الحرب، حتى مع استمرار الفارق في التكنولوجيا والقوة النارية.
وهنا تبرز أهمية مفهوم الحرب الاستنزافية. ففي المواجهات التقليدية، قد يبدو أن الطرف الذي يمتلك طائرات أكثر تطورا وصواريخ أكثر دقة وأنظمة استخباراتية أقوى يمتلك الأفضلية، لكن الحرب الطويلة تطرح سؤالا مختلفا: هل يمكن الحفاظ على هذا التفوق لعدة أشهر بالسرعة والكلفة نفسيهما اللتين سادتا في الأيام الأولى للحرب؟
وتحتاج الولايات المتحدة، لاعتراض التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة، والحفاظ على وجودها الجوي والبحري، وحماية قواعدها ومواصلة عملياتها، إلى شبكة من الأنظمة الباهظة والقوات المتخصصة.
في المقابل، يمكن لإيران أن تسعى إلى تحويل حجم الهجمات واستمراريتها وتوزعها إلى عامل يزيد الضغط على هذه الأنظمة.
ثلاثة مستويات لكلفة الحرب
يمكن النظر إلى كلفة الحرب من ثلاثة مستويات: الكلفة المالية المباشرة، والكلفة العسكرية والتسليحية، ثم الكلفة الاستراتيجية.
ويمكن تعويض الكلفة المالية عبر الموازنة، لكن إعادة بناء بعض المخزونات التسليحية والمعدات تحتاج إلى وقت. أما الكلفة الاستراتيجية فتبرز عندما تؤدي إطالة الحرب إلى إبقاء موارد وقدرات أمريكية، تحتاج إليها واشنطن في مناطق أخرى، ولا سيما في إطار المنافسة مع الصين، منشغلة في الشرق الأوسط لفترة طويلة.
وتشير التقارير الأخيرة بشأن كلفة الحرب إلى أن جزءا كبيرا من الرقم المعلن يرتبط أيضا بنفقات مستقبلية. وحتى رقم 43.6 مليار دولار لا يشمل كامل كلفة الأضرار التي لحقت بالقواعد الأمريكية في المنطقة، فيما توقع مكتب الميزانية في الكونغرس إضافة 2 إلى 3 مليارات دولار شهريا في حال استمرار المواجهة.
وبالتالي، فإن كل شهر إضافي من الحرب لا يعني مجرد استمرار القتال، بل يضيف طبقة جديدة إلى الكلفة المتراكمة.
اختبار القدرة على تحمل الكلفة
من هذه الزاوية، تبرز أهمية الاستراتيجية الإيرانية في حال تمكنت طهران من تحويل الحرب من منافسة تكنولوجية بحتة إلى منافسة على القدرة على تحمل الكلفة.
ولا يعني ذلك تساوي القدرات العسكرية بين الطرفين، إذ لا تزال الفجوة في العديد من المجالات التكنولوجية والقوة الجوية كبيرة، لكن الحرب تطرح مسألة أخرى، وهي أن التفوق العسكري لا يتحول بالضرورة إلى نتيجة سياسية ما لم يكن بالإمكان الحفاظ عليه لفترة طويلة وبكلفة يمكن تحملها.
وتظهر تجارب الحروب الأمريكية السابقة أن تحقيق مكاسب في ميدان المعركة لا يعني بالضرورة الوصول السريع إلى نتيجة سياسية. فقد تتمكن الولايات المتحدة من استهداف جزء كبير من القدرات العسكرية الإيرانية، لكن إذا لم تتمكن من دفع الطرف الآخر إلى قبول اتفاق سياسي يحقق أهدافها، فقد تدخل العمليات العسكرية مرحلة تتزايد فيها الكلفة مقارنة بالمكاسب الفورية.
وفي المحصلة، لم تعد معادلة الحرب تتعلق فقط بمن يستطيع توجيه الضربة الأكبر، بل بمن يستطيع تحمل كلفة استمرار الحرب لفترة أطول، مع الحفاظ في الوقت نفسه على القدرات اللازمة للمرحلة التالية. ومن هذا المنظور، فإن رقم 43.6 مليار دولار لا يمثل مجرد رقم اقتصادي، بل يعكس تحولا متزايدا في الحرب إلى اختبار للاقتصاد الأمريكي والمخزونات التسليحية والقدرة الاستراتيجية لواشنطن.
مهر