kayhan.ir

رمز الخبر: 230317
تأريخ النشر : 2026September21 - 23:22

ما بعد الغلاء أخطر

 

عباس المعلم

 لم تعد تداعيات الحرب الأميركية على إيران محصورة بخرائط المواجهة العسكرية، بل انتقلت سريعاً إلى قلب الاقتصاد العالمي. اضطراب إمدادات الطاقة والممرات البحرية رفع كلفة النفط والنقل والتأمين والإنتاج، وانسحب تدريجياً على المواد الخام وسلاسل التوريد والغذاء والسلع الاستهلاكية. وفي منتصف أيلول تجاوز خام برنت 108 دولارات للبرميل قبل أن يتراجع قليلاً، فيما بقيَت أسواق الطاقة تحت ضغط شديد بفعل اضطرابات الإمدادات الإقليمية. العالم كله يدفع جزءاً من فاتورة الحرب، لكن بدرجات متفاوتة وبقدرات مختلفة على امتصاص الصدمة.

أما في لبنان، فالمشكلة لم تعد في انتقال التضخم العالمي إلى السوق المحلية فحسب، بل في دخوله إلى اقتصاد منهك أصلاً، محدود الرقابة والحماية الاجتماعية، لتتحوّل موجة الغلاء إلى ما يشبه «التضخم المضاعف». أسعار الغذاء والنقل والخدمات والأقساط المدرسية وسائر متطلبات الحياة باتت تستنزف المداخيل بسرعة قياسية، في وقت أظهرت فيه أحدث البيانات الرسمية المتاحة ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 15.69% سنوياً في تموز 2026. والأخطر أنّ البنك الدولي يتوقع بلوغ التضخم 17.5% خلال العام، مدفوعاً باضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن والنفط وتداعيات الحرب.

بهذا المعنى، لم يعد السؤال كم يبلغ راتب الأسرة، بل كم يوماً يستطيع هذا الراتب أن يصمد. أسرة من ثلاثة أفراد بدخل 800 دولار شهرياً قد تجد نفسها، بحسب مستوى الإيجار والتعليم والنقل والإنفاق الأساسي، عاجزة عن تأمين احتياجاتها قبل نهاية الشهر؛ وحتى دخل 1200 دولار لم يعد يوفر بالضرورة هامش الأمان الذي كان يفترضه هذا الرقم سابقاً. وهذه الأرقام التقديرية تختلف بطبيعة الحال بين أسرة وأخرى، لكن الاتجاه العام واضح: القوة الشرائية تتآكل فيما الاقتصاد نفسه يفقد قدرته على الاحتمال. فالبنك الدولي يتوقع انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% خلال 2026 بعد أن أجهض التصعيد التعافي الهش الذي بدأ في 2025، في بلد لم يخرج أصلاً من تداعيات الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019.

وهنا يكمن الخطر الأكبر: ما يجري قد يتجاوز أزمة أسعار إلى أزمة استقرار اجتماعي. حين تجتمع البطالة والركود والتضخم وتراجع القدرة الشرائية مع انهيار المدّخرات وارتفاع كلفة التعليم والسكن والغذاء والنقل، تصبح أيّ صدمة إضافية قادرة على إشعال احتجاجات واضطرابات يصعب ضبط مسارها أو توقع حدودها. لا يمكن الجزم بأنّ انفجاراً اجتماعياً وشيكاً سيقع، لكن المؤشرات الاقتصادية تجعل احتمالات التوتر الاجتماعي أكثر جدية؛ وإذا استمرت الضغوط من دون رقابة فعلية للأسواق وشبكات حماية وسياسات اقتصادية تخفف الصدمة، فقد يدخل لبنان مرحلة لا تعيد ترتيب ميزانيات العائلات فحسب، بل تعيد خلط الحسابات السياسية والاجتماعية في الداخل، وربما حسابات القوى الخارجية تجاه البلد أيضاً

captcha