kayhan.ir

رمز الخبر: 230316
تأريخ النشر : 2026September21 - 23:22

نتنياهو أمام شاشة بروكسل: حين تتحوّل الأفلام إلى معركة سياسية

 

محمد حسن علي زعيتر

 لم يعد نتنياهو يواجه خصومه فقط داخل الكنيست أو في ساحات الانتخابات “الإسرائيلية”، بل باتت صورته السياسية والقضائية تُعرض أمام جمهور دولي، وفي توقيت لا يمكن فصله عن المعركة الانتخابية المقبلة.

في 29 أيلول/ سبتمبر، سيُعرض فيلم «The Bibi Files» داخل البرلمان الأوروبي في بروكسل، قبل أربعة أسابيع فقط من انتخابات الكنيست. الفيلم، الذي صدر عام 2024، يعتمد بصورة أساسية على تسجيلات من تحقيقات الشرطة مع نتنياهو وشخصيات من عائلته ومحيطه، وهي مواد قالت مصادر “إسرائيلية” إنها تخضع لقيود قانونية على نشرها داخل “إسرائيل”.

أهمية الحدث لا تكمن فقط في مضمون الفيلم، بل في التوقيت والمكان. فالمادة التي تتناول ملفات نتنياهو القضائية والسياسية ستُعرض أمام أعضاء في البرلمان الأوروبي ومساعديهم، بينما تكون “إسرائيل” في ذروة حملتها الانتخابية. ومن هنا، فإنّ القضية بالنسبة إلى نتنياهو لا تتوقف عند فيلم سينمائي؛ بل ترتبط بصورة الرجل الذي يخوض معركة سياسية وقضائية مفتوحة منذ سنوات.

ومع ذلك، من المهمّ التمييز بين الفيلم بوصفه عملاً نقدياً وبين الحقيقة القضائية. فالفيلم يقدّم تفسير صانعيه للأحداث والمواد التي يعرضها، ولا يشكل بحدّ ذاته حكماً قضائياً على نتنياهو، الذي ينفي الاتهامات الموجهة إليه، ويقول إنّ الملفات ضده تعكس اضطهاداً سياسياً وانتقائية في تطبيق القانون.

لكن المفارقة الأكبر تظهر عند وضع «The Bibi Files» إلى جانب فيلم «NAZA»، فقبل أيام فقط، أثار الأخير عاصفة سياسية وإعلامية داخل “إسرائيل” بعد عرضه في مهرجان البندقية وفوزه بجائزة لجنة التحكيم الخاصة. الفيلم يتناول شهادات من داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية “الإسرائيلية” حول الحرب في غزة، وقد دفع ذلك الحكومة والجيش “الإسرائيلي” إلى إطلاق حملة انتقادات واسعة ضده.

والأكثر دلالة أنّ صحيفة “يديعوت أحرونوت” تحدثت عن إخفاق في الاستعداد الإعلامي “الإسرائيلي”، مشيرة إلى أنّ السفارة “الإسرائيلية” في روما أبلغت وزارة الخارجية قبل نحو شهر بمشاركة «NAZA» في مهرجان البندقية، بينما لم تتمكن “إسرائيل” من منع عرضه أو حتى الحصول على نسخة منه قبل العرض. وبعد ذلك بدأ النقاش في دوائر الكيان حول كيفية الرد.

هنا تظهر صورة أوسع: “إسرائيل” لا تواجه فقط مضمون الأفلام، بل تواجه مشكلة في معركة الصورة والرواية.

ففي حالة «NAZA»، خرج الفيلم من مهرجان سينمائي إيطالي إلى الإعلام العالمي، وفي حالة «The Bibi Files» ينتقل فيلم شديد الحساسية بالنسبة إلى نتنياهو إلى قلب مؤسسة أوروبية، وفي الحالتين يأتي الحدث في لحظة سياسية بالغة الحساسية.

واللافت أنّ الردّ “الإسرائيلي” نفسه بات جزءاً من القصة. فبدلاً من أن يبقى النقاش محصوراً في مضمون «NAZA»، أصبحت تصريحات نتنياهو والجيش “الإسرائيلي” والجدل حول الفيلم مادة إضافية للتغطية الدولية. وقد أفادت «يديعوت أحرونوت» بأنّ وزارة الخارجية أرسلت لاحقاً إلى سفاراتها في العالم ورقة رسائل لمواجهة تداعيات الفيلم.

أما «The Bibi Files»، فالمفارقة السياسية تكمن في أنّ نتنياهو يخوض انتخابات يسعى فيها إلى تثبيت صورته السياسية أمام الناخب “الإسرائيلي”، بينما سيُعرض في الخارج عمل سينمائي يركز تحديداً على التحقيقات والملفات التي تلاحقه. لذلك يمكن القول إنّ المعركة على صورة نتنياهو لم تعد محصورة داخل “إسرائيل”؛ فكلما اقترب موعد الانتخابات، أصبحت الساحة الدولية جزءاً من المشهد السياسي “الإسرائيلي”.

وبين البندقية وبروكسل، يبدو أنّ “إسرائيل” أمام جبهة إعلامية جديدة: أفلام وثائقية، مهرجانات دولية، برلمانات ومؤسسات أوروبية، وشهادات ومواد أرشيفية تتجاوز قدرة الخطاب السياسي التقليدي على التحكم بها.

وهنا تكمن أهمية الحدث: ليس لأنّ فيلماً يستطيع وحده أن يحسم انتخابات، فهذا أمر لا يمكن استنتاجه، بل لأنّ الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ستجري في وقت أصبحت فيه صورة نتنياهو و”إسرائيل” نفسها موضوعاً لصراع يتجاوز الحدود “الإسرائيلية”.

من البندقية إلى بروكسل، انتقلت بعض الملفات التي كانت تُناقش داخل غرف التحقيق والمحاكم وأروقة الحكومة إلى شاشات العالم. وفي زمن الصورة، قد تصبح الشاشة نفسها واحدة من ساحات الصراع السياسي

captcha