العلاقة بين النظام التوافقي، الصبر الاستراتيجي، وعقيدة وحدة الساحات العملياتية
في حوار تحليلي مع مركز بنيان للدراسات الاستراتيجية، استعرض الدكتور مجتبى أماني تطورات المشهد اللبناني والإقليمي، متناولاً معادلة الردع، واستراتيجية «وحدة الساحات»، ومفهوم «الصبر الاستراتيجي» في ضوء خصوصية النظام السياسي اللبناني.
في إطار الحوارات التحليلية التي يجريها "مركز بنيان للدراسات الاستراتيجية"، تناول هذا اللقاء مع الدكتور مجتبى أماني تقييماً علمياً للتحولات الميدانية والسياسية في الساحة اللبنانية والإقليمية. وتتركز محاور التقرير على تحليل معادلة التوازن والردع، وتبيان مفهوم الصبر الاستراتيجي في ضوء الخصوصية الهيكلية للنظام السياسي اللبناني وفق اتفاق الطائف، إضافة إلى قراءة في دكترین "وحدة الساحات" وتقييم التطورات الميدانية في جنوب لبنان.
أولاً: المشهد الميداني وتفكيك بروباغندا "تلة علي الطاهر"
أكد الدكتور مجتبى أماني في مستهل تحليله للمشهد الميداني أنه لا يمكن التنبؤ بالمستقبل بصورة جازمة في ظل الظروف المعقدة والتشابكات الإقليمية؛ بدءاً من الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، والحرب العدوانية على غزة وجنوب لبنان، مروراً بدخول وانجازات حركة أنصار الله في اليمن، وصولاً إلى الأوضاع المؤقتة في العراق. ورغم هذه التعقيدات، شدّد الدكتور أماني على أن الساحة اللبنانية شهدت تشكُّل نوع من توازن القوة والردع بين الكيان الإسرائيلي وحزب الله.
وحول ما أُثير من ضجيج إعلامي وسياسي شائك حول معركة "تلة علي الطاهر" والادعاءات بوجود صمت أو تراجع، كشف الدكتور أماني أن الطرف الإسرائيلي وشخص بنيامين نتنياهو يسعيان بشكل حثيث إلى تضخيم هذا الحدث الميداني عبر استخدام مفرط للصلابة العسكرية وإلقاء نحو 1,100 طن من المتفجرات دفعة واحدة.
وأوضح أماني أن العملية لا تتطلب من الناحية العسكرية والعملياتية هذا الحجم الهائل من المتفجرات، إلا أن نتنياهو يخوض سباقاً انتخابياً محمومياً في الداخل الإسرائيلي وسط تراجع حاد في أرقام استطلاعات رأيه وشعبيته. وعليه، كان نتنياهو بحاجة ماسة إلى اختلاق "إنجاز وهمي" بصوت عالٍ يُصرف للداخل الصهيوني للتحشيد الانتخابي. وأضاف الدكتور أماني أن ما يروّج له الكيان تحت عنوان "السيطرة العملياتية" على بضعة كيلومترات بين الحدود والمناطق الجنوبية لا يشكل إنجازاً استراتيجياً بحال من الأحوال، إذ إن هذه المناطق أصبحت مناطق مواجهة لا يمكن العيش فيها بشكل طبيعي.
ثانياً: حقيقة الموقف الإيراني واستراتيجية "وحدة الساحات" التنفيذية
في رد قاطع على الشبهات والاتهامات الشائعة التي تدّعي "تخلي طهران عن لبنان" أو عجزها عن التدخل، أوضح الدكتور أماني أن المقاومة في مختلف الساحات تتكئ بالأساس على قوى ذاتية تنبع من واقع الخضوع للظلم والاحتلال. وبين أن هذه المقاومة هي حركة شرعية وإنسانية تكفلها جميع القوانين الدولية المشروعة، ولا تحتاج إلى تدخل إيراني مباشر في كل تفصيل ميداني.
ومع ذلك، بيّن الدكتور أماني أنه عندما اتسعت رقعة العدوان الإسرائيلي والأمريكي لتطال ساحات متعددة في غزة ولبنان وسوريا والعراق وإيران، طرأ تحول جوهري على الاستراتيجية. واستحضر أماني أنه في المراحل السابقة -وتحديداً تحت قيادة الشهيد الأقدس السيد حسن نصر الله- لم تكن الاستراتيجية تقضي بأن تطلق إيران صواريخ مباشرة من أراضيها إلى إسرائيل مع كل جولة مواجهة تخوضها حركة مثل حماس. ولكن أمام الصلف الإسرائيلي ومحاولات توسيع دائرة الحرب، أقدمت إيران ومحور المقاومة على تغيير هذه الاستراتيجية بشكل كامل.
وقد تجلى هذا التحول الاستراتيجي في عدة مظاهر أساسية:
الرد المباشر: استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت واجه رداً إيرانيًاً مباشراً انطلق من الأراضي الإيرانية نحو شمال إسرائيل لأول مرة في تاريخ الصراع.
ربط المضايق والملفات: إعلان موقف إيراني واصل ومفاده أن مضيق هرمز لن يُفتح إبحاراً وطبيعياً إلا بالعمل وفق التوافق الإيراني وتلبية الشروط المطلوبة، وفي مقدمتها توقف العدوان الإسرائيلي على لبنان.
الانتقال من الدعم إلى التنفيذ العملي: الانتقال بمفهوم "وحدة الساحات" من نطاق الدعم المالي والتسليحي والتدريب العسكري إلى مستوى التعاون الميداني والتنفيذ العسكري المشترك والفعلي بين أطراف المحور.
ثالثاً: تفكيك "الصبر الاستراتيجي" وخصوصية النظام السياسي اللبناني
ردّ الدكتور مجتبى أماني على القائلين بأن "الصبر الاستراتيجي" يعبر عن صمت أو تراجع، مؤكداً ضرورة فهم هذا المفهوم في ضوء الخصوصية الهيكلية والسياسية للدولة اللبنانية. وقارن أماني بين الوضع في إيران -حيث توجد حكومة دولة ذات هيكلية هرمية متماسكة يترأسها ولي الفقيه ورؤساء السلطات الثلاث ومؤسسات رسمية موحدة- وبين الوضع في لبنان.
ففي لبنان، تمثل المقاومة وحزب الله شريحة واسعة من الشعب وفق اتفاق الطائف والتوازنات الوطنية، ولديها 5 وزراء في الحكومة و27 نائباً شيعياً في البرلمان، إلى جانب نواب آخرين مؤيدين للنهج المقاوم. وفي المقابل، فإن الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني هما الجهتان المسؤولتان قانونياً وشرعياً عن حماية الأراضي اللبنانية وإنهاء الاحتلال ووقف العدوان وإعادة الإعمار.
وأشار الدكتور أماني إلى أن حزب الله، من خلال صبره الاستراتيجي، يعطي المجال للقيادة السياسية والرسمية (رئاستي الجمهورية والحكومة) لإتاحة الفرصة أمام المساعي الدبلوماسية لاختبار مدى إمكانية تحقيق إنجازات لصالح لبنان كالوقف الفوري لإطلاق النار وإنهاء الاحتلال. وعندما تفشل هذه المسارات أمام التعنت الصهيوني، يثبت جلياً أمام الطوائف اللبنانية كافة أنه لا يمكن دحر الاحتلال واستعادة الحقوق إلا عبر المقاومة الشركسة والصمود الميداني.
رابعاً: اتفاق الطائف، سلاح المقاومة، وآفاق التحالفات الداخلية
تطرق الحوار إلى التحديات الداخلية عقب استشهاد السيد حسن نصر الله واعتداءات "البيجر"، وما أُثير حول مستقبل سلاح حزب الله وتباعد بعض الحلفاء السياسيين. وفي هذا الصدد، أصل الدكتور أماني للمفهوم الدستوري والميثاقي في لبنان:
الديمقراطية التوافقية: وفقاً لاتفاق الطائف والميثاقية الوطنية، يتوزع الشعب اللبناني بنسب متقاربة بين المسيحيين والسنة والشيعة. ولا يمكن إخضاع أي طائفة أو سحقها تحت مسمى "الديمقراطية العدودية" أو الأكثرية البرلمانية.
شرعية القرارات المصيرية: تشترط الميثاقية مشاركة جميع المكونات الرئيسية (المسيحي، السني، والشيعي) في القرارات الكبرى، وإذا غاب أحد هذه الأقطاب تُفقد الشرعية عن القرار.
تماسك المكون الشيعي: أكد أماني أن الـ 27 نائباً شيعياً في البرلمان اللبناني يقفون في كتلة واحدة متماسكة وموحدة خلف المقاومة وسلاحها.
أهداف خلع السلاح: نبه الدكتور أماني إلى أن هدف إسرائيل الأول هو نزع سلاح المقاومة لتسهيل هدفها الثاني المتمثل في احتلال كامل لبنان وطرد الفلسطينيين إلى الشمال، إذ ينظر الصهاينة تاريخياً إلى لبنان كمنطقة نفوذ وملك لهم.
وعن تراجع أو ابتعاد بعض الحلفاء عن حزب الله في هذه المرحلة، أوضح الدكتور أماني أن هذا التراجع ناتج عن ظروف المعاناة والقصف والنزوح والضغوط الشديدة. وأكد بثقة أن هذا الابتعاد هو مسألة وقتية ومؤقتة مرتبطة بالزمان، وأن حزب الله سيخرج من هذه المعاناة منتصراً ومرفوع الرأس بحكم إمكانياته ومقوماته. ومع تحقق النصر، ستعود التحالفات الوطنية بأشكال جديدة وأكثر قوة، لأن المقاومة ضد الكيان الصهيوني تمثل المبدأ الراسخ لجميع الطوائف اللبنانية الشريفة.
خامساً: المشهد الإقليمي وسقوط الهيبة الأمريكية-الإسرائيلية
ختم الدكتور مجتبى أماني تحليله بالإشارة إلى التحولات على المستوى الإقليمي، مبيناً أن الرهانات التي عقدها نتنياهو على وعود دونالد ترامب بالمشاركة الأمريكية للقضاء على المقاومة قد سقطت وتلاشت. فقد دخل ترامب المعادلة وسقطت هيبته في المنطقة دون أن يحقق أهدافه، خوفاً من تصعيد شامل في منطقة الخليج الفارسي وتضرر المصالح الأمريكية.
وفي مقابل هذا التراجع الصهيوني والأمريكي، يؤكد الدكتور أماني أن محور المقاومة ينمو ويكبر نفوذه وتتوسع قدراته في اليمن (عبر سيطرة أنصار الله على منافذ ومواقع استراتيجية كالمخا والجزر) وفي سوريا والعراق. وخلص أماني إلى أن المنطقة تقف أمام مشهد جديد يستدعي إدارة الصراع بحكمة ودقة وعقلانية عالية، لقطع الطريق على نتنياهو وترامب ومنعهما من استغلال دماء الشعوب كأوراق في انتخاباتهما الداخلية.