لماذا يريد ترامب انتظار التشاور مع دول الخليج(الفارسي)؟
– قرّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذهاب للحرب على إيران في 28 شباط الماضي بالشراكة مع بنيامين نتنياهو، ورغم أن ساحة الحرب هي الخليج(الفارسي) ، لم يكلف نفسه عناء التشاور مع حكام دول الخليج، لكنّه هذه المرة يقول إنه يفكر بضربة شاملة لإيران ويرهن اتخاذ القرار بنتائج مشاوراته المرتقبة على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، فهل هذا يعني أنه ينتظر أن يسمع منهم ما يرجّح كفة القرار؟
– لنفترض أن قادة مجلس التعاون وصلوا إلى نيويورك، واجتمع بهم ترامب في الخامس والعشرين من أيلول، ووضع أمامهم خريطة الضربة التي يفكر فيها. سيقول إن الطائرات الأميركية تستطيع تدمير المطارات والقواعد ومنصات النفط والغاز والمصافي ومحطات الكهرباء وتحلية المياه وقواعد الصواريخ ومراكز القيادة الإيرانية، لكن حكام الخليج(الفارسي) لن ينظروا إلى الأهداف الرسمية داخل إيران، بل إلى صور الأهداف المقابلة في بلادهم. عندما يقول ترامب: «سنقصف المطارات»، سيتذكرون مطارات الرياض وجدة وأبوظبي ودبي والدوحة والمنامة والكويت ومسقط. وعندما يتحدّث عن منصات النفط والغاز، ستظهر أمامهم أرامكو وحقول الشيبة وبقيق ورأس تنورة والمنشآت الإماراتية والقطرية. وعندما يعدّد الجسور والموانئ ومحطات الكهرباء والتحلية، سيفكرون في هشاشة مدنهم الحديثة أمام حرب الصواريخ والمسيّرات.
– لن يكون السؤال الخليجي: هل تستطيع أميركا ضرب إيران؟ الجواب معروف. السؤال سيكون: هل تستطيع أميركا منع إيران وحلفائها من الرد؟ وهنا لا يملك ترامب جواباً مقنعاً. سبعة أشهر من الحرب لم تفتح هرمز، ولم تمنع وصول النار إلى خط شرق-غرب السعودي، ولم توقف تقدم «أنصار الله» نحو باب المندب، ولم تحمِ ناقلات النفط. الدفاعات الأميركية تستطيع اعتراض قسم من الصواريخ والمسيّرات، لكنها لا تستطيع ضمان حماية عشرات المدن والمطارات والموانئ والحقول وخطوط الأنابيب في وقت واحد، ولا ضمان استمرار هذا الاعتراض في حرب مفتوحة وطويلة.
– ثم سيستعيد قادة الخليج (الفارسي)تجربة اليمن. عندما طلبت السعودية تدخلاً أميركياً مباشراً ضد «أنصار الله»، لم يستجب ترامب. اكتفى بالدعم الاستخباري والمساعدة في تحديد الأهداف، ثم خرج علناً ليفاخر بأن وقف النار بين القوات الأميركية و«أنصار الله» لا يزال صامداً، وأنه يأمل أن تلتزم حركة «أنصار الله» باتفاق وقف النار الموقع في 2025 مع القوات الأميركية، أي إنه فصل سلامة قواته وسفنه عن سلامة حليفه السعودي، وترك الرياض تواجه وحدها نتائج الحرب في اليمن. فكيف يطمئنهم الآن إلى أنه لن يفعل الشيء نفسه بعد ضرب إيران؛ يشن الضربة، ثم يفاوض طهران لحماية القوات الأميركية والممرات التي تهم واشنطن، بينما يترك دول الخليج تتلقى الردود وتدفع ثمن التسوية؟
– لذلك من المستبعد أن يسمع ترامب من قادة الخليج(الفارسي): «امضِ أيها القائد وبارك الله خطواتك». الأرجح أن يسمع لغة دبلوماسية تخفي الرعب: «نحن مع منع إيران من امتلاك السلاح النووي، ونؤيد الضغوط عليها، لكن ينبغي استنفاد الحلول الدبلوماسية وحماية أمن المنطقة واستقرار أسواق الطاقة». وسوف يترجم ترامب هذه اللغة باعتبارها رفضاً للحرب، حتى لو لم يجرؤ أحد على قول كلمة الرفض صراحة.
– هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل يعقد ترامب التشاور كي يحصل على موافقة الحرب، أم كي يحصل على ذريعة التسوية؟ الوقائع ترجح الاحتمال الثاني. فهو يعرف مسبقاً أن دول الخليج(الفارسي) لا تستطيع منحه تفويضاً بحرب إسقاط النظام؛ لأنها ستكون ساحة الرد الأولى. ويعرف أنه لا يستطيع تقديم مظلة دفاعية مضمونة، بعدما كشف اليمن حدود الحماية الأميركية وأولوية حماية القوات الأميركية ولو على حساب الحلفاء.
ترامب يزمجر قبل الاجتماع كي يدخل إليه من موقع من يقول: «أنا جاهز للذهاب إلى النهاية، وأنتم الذين طلبتم مني التريث». وبذلك يحصل على «تذكرة التراجع» التي يحتاجها. يستطيع بعد الاجتماع أن يقول إن الحلفاء الأقرب إلى مسرح الحرب يفضلون الاتفاق، وإنه احترم رأيهم وأعطي الدبلوماسية فرصة أخيرة. وفي المقابل يستخدم تهديد «السحق» للضغط على إيران من أجل تنازلات في هرمز والملف النووي وأمن الخليج(الفارسي).
– الجواب هو أن ترامب لا يملك خطة مؤكدة لحماية دول الخليج(الفارسي) من تداعيات الحرب، بل يحتاج خوفها من هذه التداعيات. إنه ينتظر أن يسمع منها الاعتراض الذي لا يريد أن ينطقه بنفسه، كي يحول عجزه عن حسم الحرب إلى استجابة حكيمة لنصيحة الحلفاء، ثم يذهب إلى التسوية مدعياً أنه اختارها من موقع القوة لا تحت ضغط النفط واستنزاف السلاح واستحالة حماية قواعده وحلفائه.