ماذا وراء صفقة القاذفات «إف 35» الأميركية للسعودية؟
شارل أبي نادر
بعد أن أفادت عدة مصادر إعلامية عالمية، ومنها أميركية، بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وافقت على صفقة بيع محتملة لمقاتلات من طراز «F-35» الشبحية إلى السعودية، ضمن صفقة تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، في خطوة من شأنها تعزيز القدرات العسكرية للحليف الخليجي، حتى وإن كان من شأنها أن تؤثر في موازين القوى في الشرق الأوسط، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن الصفقة المقترحة تشمل بيع مقاتلات «لايتننغ 2» (Lightning II) من طراز «F-35»، وهي أكثر المقاتلات الأميركية تطورًا، إلى جانب معدات مرتبطة بها، بقيمة تُقدّر بنحو 24.3 مليار دولار، وفقًا لبيان الوزارة.
في الواقع، هناك الكثير من التساؤلات التي تحيط بهذه الصفقة، والتي من المفترض إلقاء الضوء عليها كالآتي:
ما موقف العدو "الإسرائيلي" من هذه الصفقة؟
ولماذا جاءت هذه الصفقة في هذا التوقيت الحساس اليوم؟ وهل من ارتباط بينها وبين الاشتباك الأميركي الإيراني، أو بينها وبين التغيير الميداني الذي فرضته وحدات أنصار الله في الساحل الغربي لليمن؟
أولًا، لناحية موقف العدو "الإسرائيلي" من الصفقة، هناك عدة جوانب تجعل الأخير، على الأقل، لا يعارضها، وأهمها:
من شبه المؤكد أن المميزات التقنية ـ العسكرية للقاذفات «إف 35» التي ستحصل عليها السعودية ستكون بمستوى أقل أو أدنى فعالية من تلك التي تملكها "إسرائيل"، وهذا الموضوع مدرج كبند أساسي في الأنظمة والقوانين التي ترعى بيع الأسلحة الأميركية لأطراف خارجية، حيث إن الالتزام الأميركي بإبقاء التفوق العسكري للكيان الصهيوني مؤمّن حكمًا.
يمكن أن تلعب هذه القاذفات، وبنسبة معينة، دورًا فاعلًا ضمن مهمة اعتراض الصواريخ والمسيّرات الإيرانية في أية مواجهة واسعة لاحقًا، حيث تشكل أجواء السعودية مسرحًا جويًا أساسيًا للدفاع المسبق عن الكيان الصهيوني وعن أغلب القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة.
من جهة أخرى، تشكل الصفقة مشروع استنزاف متواصل للأموال السعودية، التي سوف تغطي سنويًا، وبشكل دائم، ثمن قطع غيار وتجهيزات محدثة، وصيانة دورية مدفوعة، وبدل تدريب وما شابه.
وكل ذلك سيبقى دون أية فعالية ضد "إسرائيل"، تمامًا مثل الفعالية الهشة اليوم لترسانة ضخمة من الأسلحة الأميركية تملكها السعودية حاليًا، دون أي دور في مواجهة كيان الاحتلال.
حصلت "إسرائيل"، قبل الإعلان عن هذه الصفقة، ومن باب التعويض، على موافقة شبه نهائية لصفقة ضخمة من الأسلحة الأميركية النوعية والفعالة، بقيمة نحو 2.8 مليار دولار، تتضمن 40 ألف قنبلة زنة ألفي رطل، بينها 20 ألفًا من طراز (MK-84)، و20 ألفًا من طراز (BLU-117)، إضافة إلى 20 ألف رأس اختراق من طراز (I-2000).
وهذه الأسلحة، من جهة أولى، تعوّض ل"إسرائيل" بنسبة كبيرة ما استعملته في حروبها التدميرية الأخيرة على إيران وعلى لبنان وعلى غزة، ومن جهة ثانية، تؤمّن لها ترسانة ضخمة من القدرة التدميرية الهجومية في اعتداءاتها المتواصلة أو المرتقبة على الدول المذكورة، فيما لو قررت توسيعها مستقبلًا.
ثانيًا، لناحية توقيت الإعلان عن هذه الصفقة اليوم، لا شك أنه مرتبط بما حصل مؤخرًا من تغيير ميداني دراماتيكي في اليمن، وتحديدًا في ساحله الغربي، حيث تمددت سيطرة أنصار الله والمحسوبين غربيًا وإقليميًا، كحلفاء أساسيين لإيران التي تخوض مواجهة واسعة وحساسة ضد المحور الأميركي "الإسرائيلي"، وما سيكون لهذا التمدد، والذي لامس باب المندب، من تأثير استراتيجي على الموقف في الميدان البحري الأهم والأخطر في العالم حاليًا، ومن تأثير أيضًا، مباشر أو غير مباشر، على موقف وموقع السعودية في اليمن بشكل خاص وفي المنطقة بشكل عام.
من هنا، وحيث من الواضح أنه لن يكون هناك أي خطر من هذه الصفقة، قاذفات «أف 35» للسعودية، على التفوق الجوي لـ"إسرائيل" في المنطقة...
وحيث أيضًا، لن يكون هناك أي خطر أو أية إمكانية لكي تُستعمل هذه القاذفات في مواجهة دفاعية أو هجومية ضد الكيان الصهيوني، الأمر المفروغ منه حكمًا...
وحيث لن يكون بسيطًا، خاصة في ظل هذا الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه الولايات المتحدة الأميركية، حصول إدارة ترامب وشركات الأسلحة الأميركية على مبلغ 24 مليار دولار ثمنًا لهذه القاذفات...
وحيث يمكن أن تجد السعودية في هذه الصفقة بعضًا من التعويض المعنوي عما رشح داخل بعض أوساطها من امتعاض عمّا يشبه التسهيل الأميركي، أو على الأقل غض النظر الأميركي، عن تمدد أنصار الله في اليمن على حساب النفوذ والتحكم السعودي...
لذلك، يمكن القول إن هذه الصفقة سلكت مبدئيًا، أو على طريق أن تسلك وتكتمل، دون أية عراقيل، وخاصة "إسرائيلية".