kayhan.ir

رمز الخبر: 230133
تأريخ النشر : 2026September18 - 20:37

‏فقأوا العيون فانفجرت البصيرة

عباس المعلم

 ‏ما كان ذاك انفجاراً؛ كان غَدْراً له أنياب، اقتحم حُرُم البيوت من جيوب أصحابها، واستباح في طرفة نارٍ ما اطمأنّ إليه الأهل من وجوهٍ وأكفٍّ وعيون. دوّى البلاء، فإذا بالكفّ التي كانت تمسح رأس صغيرٍ قد غابت، وإذا بالعين التي كانت آخر ما يطمئن إليه طفلٌ في وجه أبيه قد أُسدِلت عليها العتمة، وإذا بالوجه الذي تحفظه الزوجة عن ظهر حبّ قد خطّت النار عليه سِفرها الثقيل. هناك استُشهد مَن استُشهد، لا على عتبة وداع، بل في مباغتةٍ لم تمهل قلباً أن يقول لقلب: تمهّل، لي فيك كلمة أخيرة. وبقيت خلفهم بيوتٌ مُثْكَلَة، واجمة، موحشة الأركان؛ ثيابٌ معلّقة لأجساد لن تعود، أسرّة تعرف روائح أصحابها، وأطفالٌ سيكبرون وفي أرواحهم سؤالٌ يتيم: كيف يستطيع غدرٌ صغير مختبئ في جهازٍ أن يصنع كلّ هذا اليُتم؟

‏وللذين عادوا إلى بيوتهم كان للوجع مَقْتَلٌ آخر. عاد أحدهم بنصف ضوء، وآخر بكفٍّ صارت مكانها ذاكرة، وثالث بملامح مرّت عليها النار وتركت فيها شاهداً لا يموت. يا لفجيعة أمٍّ تعرف وجه ابنها بقلبها حين تعجز للحظة عن معرفته بعينيها! ويا لكَبِد زوجةٍ تمدّ يديها إلى كفّ زوجها فلا تجد إلا غيابها! ويا لقلب طفلٍ يركض نحو أبيه ثم يحدّق طويلاً في موضع يدٍ كانت بالأمس تحمل لعبته وتربّت على شعره! تلك ليست أعضاءً فُقِدت؛ تلك تفاصيل من أعمار البيوت بُترت معها. صار لزرّ القميص وجع، ولرباط الحذاء غصّة، وللمصافحة حسرة، وللمرآة مأتمٌ صامت. وربما كان أقسى الجراح ذلك الذي لا يراه أحد: أن يستيقظ الرجل لحظةً ناسياً ما حدث، فيمدّ يداً لم تعد هناك، أو يفتح عينيه منتظراً صباحاً لا يدخل إلا من نافذة واحدة… ثم يتذكّر. وما أقسى أن يتجدّد المقتل كلّ صباحٍ بالتذكّر.

‏ومع ذلك، لم يخرجوا من النار منكسرين؛ خرجوا منها مُثخنين لا مهزومين. مضى ذو العين الواحدة في الطريق كأنّ العين الأخرى استوطنت قلبه، ونهض ذو الكف الواحدة يحمل بها من العزم ما تعجز عنه أكفّ كثيرة، ومَن أُطفئ بصره ظلّت بصيرته حادّةً كأنّ النور، حين أُخرج من عينيه، هاجر كلّه إلى صدره. هنا تستيقظ في اللغة رائحة كربلاء: أن يُثخن الجسد ولا ينثلم العهد؛ أن يسيل الدم ولا يسقط اللواء من المعنى؛ أن تُؤخذ الأطراف ويبقى المرء واقفاً بكامل قامته الروحية. كأنّ الله استودع في هؤلاء سريرةً من نور لا تبلغها الشظايا، وقال للنار خذي من الجسد ما استطعتِ، أمّا هذا اليقين فليس لكِ عليه سبيل. فبأيّ معجم نصف رجلاً غابت عينُه وظلّ يرى دربه؟ وبأيّ ميزان نقيس كفاً قُطعت وبقي صاحبها أشدّ قبضاً على ما يؤمن به؟ هؤلاء لم يهزموا العاهة فحسب؛ أهانوا الغدر حين جعلوا من أثره شاهداً على عجزه عن الوصول إلى أرواحهم.

‏فلا تسمّوهم جرحى ثم تمضوا؛ إنّ للكلمة عليهم مظلمة. هؤلاء أصحاب الأثر، وأهل البلاء، وشهود النار، وحَمَلة البصيرة. لهم في أعناقنا دَيْنٌ لا تُبرئه دمعة، ولا يسقطه احتفال، ولا تأكله السنون: أن نصون كرامتهم، أن نحفظ شهداءهم، أن نعرف أنّ وراء كلّ عينٍ غائبة أماً بكت سراً، ووراء كلّ كفّ مبتورة طفلاً اشتاق إلى أصابع أبيه، ووراء كلّ ندبة بيتاً كاملاً أُصيب معها. ثم اخفضوا أصواتكم قليلاً أمامهم؛ فربما لسنا نحن من يواسيهم. ربما هم عزاءٌ لنا. نحن الذين بأعيننا كلّها لم نبصر مقدار ما أبصروه، وبأيدينا كلّها لم نحمل ثقل ما حملوه. هم الذين نُحِتت أجسادهم بالنار فخرجت أرواحهم أصلب، ونحن الذين خرجنا سالمين من الانفجار وبقيَ في أرواحنا من العجز ما لا تضمّده المستشفيات. هم فقدوا البصر، ولم يفقدوا البصيرة؛ فقدوا الأكفّ، ولم يفلت منهم العهد… حتى ليخجل القلب من تسميتهم جرحى. فلعلّ الجرح الحقيقي لم يكن في أجسادهم أصلاً؛ لعلّ الله كشف بهم عاهتنا نحن: أنهم، بما فقدوا، كانوا أكمل منّا… وأننا، بكلّ ما بقيَ لنا، كنّا أحوج منهم إلى الشفاء

captcha