kayhan.ir

رمز الخبر: 230030
تأريخ النشر : 2026September15 - 20:59

الاقتدار الايراني مرحلة ما بعد الحرب

 

 

 لا يمكن درك مديات تراكمات الحرب على ايران الا بعد ان تنتهي هذه الهجمة الغربية الهوجاء على الجمهورية الاسلامية الايرانية. وما مستويات التصعيد التي احتار ترامب نفسه بها بالحالة التصادفية او مجرد تهديد عسكري في سياق المواجهة المفتوحة.

فالادوات المستخدمة باتت حتى الان عاجزة عن تحقيق الاهداف السياسية والامنية. فلا الملاحة عادت الى طبيعتها في الخليج الفارسي كي تتمكن واشنطن اقناع شركات الشحن الكبرى بارسال ناقلاتها عبر مضيق هرمز ولاشركات التأمين بقادرة على تغطية هذه الرحلات.

واذا ما توعدت اميركا بحاملات الطائرات والمدمرات والبوارج باحتمال اندلاع

مواجهة عسكرية فها هي الاشهر تنقضي دون ان تغير كفة المعادلة اذ ان الحروب المعاصرة لم تعد تحسم بحجم القوة النارية وحدها وانما بقدرة كل طرف على فرض ايقاع المعركة واستنزاف خصمه.

وفيما كان الاعتقاد السائد ان التفوق الجوي والتقني كفيلان باضعاف ايران خلال فترة وجيزة فقد أفشلتها طهران بمعادلة "الجميع او لا أحد" بردود فعل شمولية ربطت أمن المنطقة بأكملها بما يحقق أمنها القومي.

كما وجرب "سكوت بنسنت" وزير الخزانة الاميركية مفهوم الضغط المركب الذي يجمع بين العقوبات الاقتصادية والتواجد العسكري حتى اذا وصل الى طريق مسدود رجحت الادارة الاميركية استمرار التصعيد العسكري المحدود بالتوازي مع مفاوضات غير مباشرة ترعاها اطراف اقليمية ودولية بهدف الوصول الى تفاهمات مرحلية تمنع انزلاق المنطقة الى مواجهة شاملة.

وهكذا دخلت مرحلة "التفاوض تحت الضغط" حيث اصبحت القوة العسكرية أداة لدعم الموقف التفاوضي وليست غاية في ذاتها. اذ تشير التقارير الى ان القواعد الاميركية – على سبيل المثال – قد استحالت الى أهداف سهلة المنال لصواريخ طهران خلال الحرب التي لادلائل على انتهائها وهي في شهرها السابع. هذا ما أرغم البنتاغون على سحب قواتها وتقليص اعداد الجنود الى ادنى مستوياتها منذ عام 2003 وهو ما دفع البنتاغون لتبني خطة اكثر مرونة اي بنشر الجنود في قواعد أصغر حجما وفي حركة سريعة للمقاتلات عبر مدارج مؤقتة بعد ان قدر تكلفة ترميم 11 قاعدة اميركية في سبع دول شرق أوسطية نحو خمسة مليارات دولار. كما ان سرعة احلال الاسلحة المستنفدة

في الحروب الطويلة هي ركن ركين من أركان القوة العسكرية. فاذا ما استطاعت ان تشن عمليات واسعة النطاق تراها تعجز عن تعويض الذخائر والمعدات المستهلكة بالسرعة الكافية اذ ان قوة الردع ستكون في خطر وهذا المسرح لا تستطيع واشنطن الانسحاب منه بسهولة ما دامت تريد اثبات قدرتها على حماية الملاحة وحماية حلفائها.

وبذلك يصبح المخزون العسكري جزءا من ميزان التفاوض تماما كما يصبح المخزون النفطي الاستراتيجي الاميركي جزءا منه اذا اضطرت واشنطن لاستخدامه.

فلو قاربنا كل هذه الوقائع لخرجنا بنتيجة مفادها بأن الغرب يعلم علم اليقين ان ايران بعد الحرب ليست ايران ما قبل الحرب وهذا بالذات ما يفزع الغرب و"اسرائيل" وسيستيقضون هؤلاء المتوهمون على اثر صفعة الواقع. فليست الجمهورية الاسلامية الايرانية معسكرا شرقيا يموت فيه الارتباط بالغيب ويمتنع عن الارتباط بالمدد الالهي. كما وليس قائد الثورة المعظم بالشخصية الكهنوتية المنغلقة على تعاليم محرفة ما أتى الله بها من سلطان. بل ان ايران مدرسة تجمع الايمان بالمعنويات مع الانفتاح على الحداثة. فالدين وان قام على نص مقدس الا انه لابد ان يخضع لفهم متنزل في الزمان قدر تنزله في حاجة الانسان.

وأبدًا لا تستمد الهويات خصوصياتها من تقوقعها وانكفائها وانما من قدرتها على الانفتاح ومساهمتها في تكريس جملة من القيم والمبادئ وبذلك تنجو من أسر التبعية للماضي ومن قيد التبعية للاخر. ولا يعني التأقلم مع الوضع الجديد الاستسلام لقوانينها  وانما الفعل في حركتها والتأثير على مجريات تشكلها.

ان هذه المدرسة بحق مصداق بارز لفهم ايات الكتاب المنير حين تفصح: اذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا اي ان الشعوب ستلتحق بأريحية لصدق التجربة واخلاص رجالها لاسيما وانها عرفت ان هزيمة العرب في جوهرها هزيمة حضارية وليست عسكرية قبال الكيان الصهيوني بمعنى تخلف العتاد الحربي ولكن لعدم وجود مؤسسات تربوية تعنى بفن تشكيل الانسان الانسان الذي لا تهزه المصاعب فالبحر الذي ليس فيه عواصف سيتحول الى مستنقع.

 

 

captcha