kayhan.ir

رمز الخبر: 230004
تأريخ النشر : 2026September15 - 20:59

حربٌ لا يريدها حتى الجنود الأميركيون

 

تشير تقارير حديثة إلى تنامي المعارضة للحرب على إيران داخل صفوف القوات الأمريكية، ما يكشف فجوة متزايدة بين رواية واشنطن الرسمية وواقع الحرب وتكاليفها.

كلما ابتعدنا عن بداية الحرب الأمريكية على إيران، تتضح أكثر الفجوة بين الرواية الرسمية لواشنطن وما يجري داخل الولايات المتحدة بشأن هذه الحرب. ففي الوقت الذي تحاول فيه إدارة ترامب تقديم عملياتها العسكرية باعتبارها دليلاً على قوة الولايات المتحدة وتفوقها، تتزايد المؤشرات على وجود حالة من الشك والاستياء داخل البلاد إزاء تكاليف الحرب ونتائجها.

وفي أحدث هذه المؤشرات، نقل تريتا بارسي، نائب رئيس معهد كوينسي، عن عسكري أمريكي قوله إن نحو 2 بالمئة فقط من القوات الأمريكية يؤيدون الحرب على إيران بشكل كامل، فيما يعارضها قرابة 60 بالمئة. ولا تمثل هذه الأرقام، إذا صحت، مجرد مؤشر على موقف العسكريين الأمريكيين من الحرب، بل قد تعكس أيضاً اتساع الفجوة بين القرار السياسي في واشنطن بخوض الحرب وبين موقف أولئك الذين يتحملون تكاليفها الحقيقية في الميدان.

فالجندي الموجود في ساحة المعركة يواجه حقيقة الحرب بصورة مباشرة أكثر من أي سياسي أو مذيع تلفزيوني. بالنسبة إليه، لا تختزل الحرب في المشاهد الدعائية والخطب الانتخابية والتقارير الإعلامية البراقة، بل تعني احتمال القتل أو الإصابة أو الأسر، فضلاً عن الضغوط النفسية والعودة بإصابات وآثار قد تستمر لسنوات.

ومن هنا، فإن صحة ما يُطرح بشأن وجود موقف سلبي واسع داخل القوات الأمريكية تجاه استمرار الحرب على إيران ستكون بمثابة تحذير جدي لإدارة ترامب.

وتزداد أهمية هذه المسألة عند النظر إلى تجربة الحروب الأمريكية الأخيرة. فقد خاضت واشنطن خلال العقدين الماضيين حروباً عدة بدأت تحت شعارات القوة العسكرية والتفوق التكنولوجي والقدرة على تحقيق الأهداف بسرعة، لكنها تحولت لاحقاً إلى صراعات متزايدة الكلفة على المستويات البشرية والاقتصادية والسياسية، واتسعت الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج النهائية.

وأظهرت تجربتا العراق وأفغانستان أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق نصر سياسي، وأن استخدام القوة الصلبة من دون استراتيجية واضحة قد يدفع الولايات المتحدة إلى دوامة استنزاف طويلة.

إيران ليست هدفاً يمكن إخراجه من المعادلة بضربة عسكرية

يمكن النظر إلى الحرب مع إيران من الزاوية نفسها بالنسبة إلى واشنطن. فإيران ليست دولة يمكن إخراجها من المعادلات الإقليمية عبر عملية محدودة أو استعراض للقوة العسكرية.

فبنيتها السياسية، وقدراتها العسكرية، وعمقها الجغرافي، وقدراتها الصاروخية والمسيرة، وشبكة حلفائها الإقليميين، والأهم من ذلك خبرتها الممتدة لعقود في مواجهة الضغوط الأمريكية، تمثل جميعها عوامل تجعل حسابات واشنطن أكثر تعقيداً.

ولهذا، فإن ما يهم الإدارة الأمريكية اليوم لا يقتصر على نتيجة العمليات العسكرية، بل يشمل أيضاً كيفية تقديم هذه النتيجة للرأي العام الأمريكي.

وعندما يصبح تحقيق نصر واضح وقابل للقياس أمراً صعباً، تزداد أهمية صناعة رواية عن النجاح. فقد تتحول عملية إنقاذ طيار أمريكي أُسقطت طائرته المقاتلة داخل الأراضي الإيرانية إلى قصة بطولية ملحمية، لكن إنقاذ طيار، حتى لو كانت العملية معقدة وناجحة، لا يعني بحد ذاته تحقيق النصر في حرب.

وهنا تكمن أهمية التمييز بين «النجاح العملياتي» و«النصر الاستراتيجي» عند تحليل الخطاب الإعلامي للإدارة الأمريكية.

فقد تنجح عملية إنقاذ وتثبت القوات الأمريكية قدرتها العالية على تنفيذ مهمة معقدة، لكن ذلك لا يغير السؤال الأساسي: لماذا بدأت الحرب؟ وما الأهداف التي أعلنتها واشنطن؟ وإلى أي مدى تمكنت في النهاية من تحقيق تلك الأهداف؟

حرب الإرادات والحسابات

من جهة أخرى، إذا صحت التقارير بشأن حجم معارضة العسكريين الأمريكيين للحرب، فإن إدارة ترامب ستواجه مشكلة أكثر عمقاً؛ إذ إن استمرار الحرب يتطلب الحفاظ على معنويات القوات التي تتولى تنفيذها.

ولا يمكن مواصلة حرب لفترة طويلة إذا كان جزء كبير من المجتمع، بل وحتى المؤسسة العسكرية، يشكك في ضرورتها، مع افتراض قدرة الروايات الدعائية على إخفاء هذه الفجوة بشكل كامل.

وفي مثل هذه الظروف، لا تقتصر المسألة على إيران وحدها. فالحرب على إيران قد تكشف حدود القوة الأمريكية في مرحلة اعتمدت فيها واشنطن لعقود على قدرتها على ممارسة الضغط العسكري في مناطق مختلفة من العالم.

فإذا عجزت قوة كبرى، رغم تفوقها العسكري، عن فرض النتيجة السياسية التي تريدها على الطرف المقابل، فإن مفهوم القوة نفسه ينتقل من مجرد «القدرة على الهجوم» إلى «القدرة على تحقيق النتائج».

ولهذا السبب، لا ينبغي اختزال المواجهة بين إيران والولايات المتحدة في عدد الهجمات أو الصواريخ أو العمليات العسكرية فحسب. فالجزء الأهم من المعركة يتعلق بإرادة الطرفين وحساباتهما.

قد تمتلك الولايات المتحدة معدات أكثر تطوراً، وقوة جوية أكبر، وقدرات استخباراتية واسعة، لكن إذا لم يؤد هذا التفوق إلى تغيير سلوك إيران وتحقيق الأهداف السياسية لواشنطن، فلا يمكن الحديث عن نصر استناداً إلى صور العمليات العسكرية وحدها.

إن ما طرحه تريتا بارسي، رغم أنه يحتاج إلى تدقيق وتحقق مستقل، يكتسب أهميته من هذه الزاوية تحديداً. فإذا كان صحيحاً أن نسبة صغيرة فقط من العسكريين الأمريكيين تؤيد الحرب بشكل كامل، فيما تعارضها أغلبية كبيرة، فإن إدارة ترامب ستكون أمام مشكلة تتجاوز المعارضة السياسية لخصومها.

المشكلة الأعمق تتمثل في اتساع الفجوة بين رواية الحرب والواقع الذي يشعر به حتى أولئك الذين يُفترض أن ينفذوها.

فالحرب التي كان يُراد لها أن تكون استعراضاً للقوة الأمريكية، إذا تحولت في نهاية المطاف إلى حرب مكلفة وطويلة تفتقر إلى إنجاز واضح، فلن يكون من الممكن تغطيتها إلى الأبد بالصور البطولية والروايات الإعلامية.

ولعل هذا هو السبب الذي يدفع واشنطن اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى صناعة صورة عن النصر؛ فعندما لا يكون هناك إنجاز واضح يمكن تقديمه في ميدان السياسة، يمكن لصورة الإنجاز أن تحل مؤقتاً محل الإنجاز نفسه.

لكن الصورة، مهما كانت براقة، لا تستطيع أن تحل محل الحقيقة .

مهر

captcha