kayhan.ir

رمز الخبر: 229940
تأريخ النشر : 2026September14 - 20:30

بداية نهاية «إسرائيل»

 

سناء حمدان

تميّز العقل الاستعماري الأوروبي منذ اكتشاف القارة الأميركية باعتماد أسلوب التطهير العرقي خلال احتلاله لأراضي السكان الأصليين فتمّت عملية إبادة منظّمة للهنود الحمر عبر الحروب والمذابح، ونشر الأمراض البيولوجية كالجدري والحصبة، وتدمير مواردهم الغذائية لتجويعهم وإخضاعهم، وفصل الأطفال عن عائلاتهم عبر وضعهم في مدارس داخلية قسرية بهدف طمس هويتهم وثقافتهم ولغاتهم الأصلية وصولاً إلى تهجيرهم من أراضيهم بغية سرقة خيراتها وعزلهم في مناطق محدّدة تحت مسمّى محميات، وهم ما زالوا يعانون من أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة رغم نيلهم حق المواطنة منذ حوالي القرن.

وفي أستراليا نكّل المستعمر البريطاني بأهل تلك القارة على ذات المنوال على مدى عقود من الزمن إلى أن اعترف البرلمان الأسترالي في العام 2008 بالانتهاكات المرتكبة بحق “الأجيال المسروقة”، أيّ أولئك الذين نجوا من عمليات الخطف والاضطهاد التي تعرّض لها أطفال السكان الأصليين، مقدّماً اعتذاراً تاريخياً لهم، وبدأت الحكومة دفع تعويضات للناجين منهم، وذلك نتيجة نضال تلك الشعوب لتحصيل حقوقها أولاً، وإدراك الرأي العام العالمي لأحقية قضيتهم ثانياً.

لقد استطاع المستعمر تثبيت وجوده وبناء دول حديثة العهد عبر سرقة حياة وأراضي أبناء القارتين الجديدتين. وهذا ما حاول فعله في بلدان العالم القديم ففي جنوب أفريقيا بدأ تطبيق نظام الفصل العنصري في العام 1948 الذي رسّخته قرارات مجلس العموم البريطاني عبر منح الحكم لأحفاد الهولنديين المتحدّرين من أوائل المستعمرين الغربيين لمنطقة رأس الرجاء الصالح في أواسط القرن السابع عشر. وصنّف هذا النظام الجائر السكان في مجموعات عرقية بناءً على اللون، فذوو البشرة السوداء هم مواطنون من الدرجة الثانية لا حقوق لهم، يتمّ حشرهم في مناطق مكتظة يتعرّضون لكافة أشكال القمع عند قيامهم بأيّ حركة احتجاجية. وصولاً إلى نزع الجنسية عن 10 ملايين مواطن من السود.

ورغم كلّ ذلك لم تتوقف المقاومة ضدّ التمييز العنصري في تلك البلاد وفي لحظة تاريخية معينة وصل صداها إلى الغرب فبدأت مقاطعة الشعوب الأوروبية لمنتجات دولة جنوب أفريقيا وانطلقت الحملات المناهضة للتمييز العنصري في الجامعات الأوروبية والأميركية، وأجبر طلاب بريطانيا بنك باركليز وهو من أقدَم المؤسّسات المالية في العالم على إغلاق فروعه في جنوب أفريقيا، بالإضافة إلى استبعادها من عدة مباريات رياضية دولية، كما منع اتحاد الموسيقيين البريطاني فناني جنوب أفريقيا من الظهور على محطة “بي بي سي”.

أمّا في فلسطين المحتلة فلقد انطلقت حركة مقاطعة “إسرائيل” في العام 2005 في ائتلاف ضمّ أكثر من 170 منظمة واتحادات شعبية ومؤسّسات أهلية ونقابات وأحزاباً ولجان مقاومة سعت إلى العمل على سحب الاستثمارات وفرض العقوبات على الكيان المحتل. وتوسّعت هذه الحركة لتضمّ ناشطين وأحزاب وجماعات من مختلف دول العالم.

واليوم يبدو أنّ الإبادة الجماعية التي ارتكبها الكيان الصهيوني في غزّة قد غيّرت اتجاه بوصلة الرأي العالمي إذ انّ الحراك الطلابي في جامعات الولايات المتّحدة وكندا وأستراليا وعدد من الجامعات الأوروبية والعربية المستمر يتمرّد ويلتفّ على الإجراءات المتشدّدة التي اتّخذتها إدارات تلك الجامعات لقمع مظاهراتهم الداعمة للقضية الفلسطينية من خلال رفع الكوفيات والأعلام الفلسطينية أو الانسحاب من حفلات التخرّج اعتراضاّ على استثمار تلك الجامعات في شركات تكنولوجية ومالية، مثل غوغل وأمازون وبوينغ ولوكهيد مارتن وغيرها، لمساهمتها في دعم البنية التحتية للاحتلال أو لتصنيع الأسلحة، وبالإضافة إلى الشركات اللوجستية ومعدّات البناء مثل كاتربيلر، بالإضافة إلى المطالبة بإلغاء عقود التموين والخدمات داخل الحرم الجامعي مع كبرى الشركات الاستهلاكية أيّ غوغل وستارباكس وكوكاكولا لأنّها تملك مصانع في المستوطنات، كما تدعو الحركات الطلابية إلى وقف برامج التبادل الطلابي والمشاريع البحثية المشتركة المموّلة دولياً ومذكّرات التفاهم مع جامعات الكيان المحتل.

وفيما كسرت الأجيال الجديدة الهالة المزعومة حول الدولة الأكثر ديمقراطية في الشرق الأوسط واضعة إياها في خانة الكيان الأكثر دموية وعنصرية، أعلنت كندا و11 دولة أوروبية بينها بريطانيا وفرنسا حظراً تجارياً على السلع الآتية من المستوطنات “الإسرائيلية” في الضفة الغربية بسبب عنف المستوطنين واستمرار عمليات التوسع الاستيطاني المخالفة للقانون الدولي.

يذكر انّ الكاتب الجنوب أفريقي بنيامين بوغروند الذي كافح لعقود ضدّ نظام الأبارتايد في بلاده ثم هاجر إلى القدس وألّف عدة كتب وأبحاث ترفض وصف “إسرائيل” بالدولة العنصرية، ودافع بشراسة طيلة الزمن في المحافل والصحف العالمية ضدّ تشبيهها بنظام جنوب أفريقيا طيلة عقدين من الزمن إلى ان اعترف مؤخراً بأنّ “إسرائيل 2023 هي جنوب أفريقيا 1948″، مضيفاً “لقد عشت ذلك من قبل الاستيلاء على السلطة والعنصرية والفاشية وتدمير الديمقراطية”.

الخلاصة… يقول منطق التاريخ إنّ بداية نهاية أيّ احتلال بات ينطبق اليوم على “إسرائيل” مهما حاولت الهروب إلى الأمام عبر التغوّل والمجازر الوحشية وقلب كلّ أرض تطالها آلتها العسكرية رأساً على عقب. وهذا ما لا يريد أن يراه بعض من الأنظمة الحاكمة في لبنان والمنطقة جراء تعلقهم بحبال الوعود الأميركية الزائفة التي ترمي أذيالها في مكبّات العمالة عندما تخسر حرباً وتغادر المكان

captcha