kayhan.ir

رمز الخبر: 229939
تأريخ النشر : 2026September14 - 20:30

حكومة داخل الصندوق

 

أحمد بهجة

 بدعوة من الرئيس نبيه بري يعقد مجلس النواب يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين جلسة عامة لمناقشة الحكومة ومساءلتها عن مجمل أعمالها خلال الفترة الماضية، علماً أنّ هذه الجلسة هي الأولى من نوعها منذ تشكيل الحكومة الحالية في 8 شباط 2025، ثم نيْلها ثقة البرلمان في 26 الشهر نفسه.

ومن المتوقّع أن تكون ساحة النجمة في هذين اليومين مسرحاً لنقاش سياسي ساخن حول الملفات السياسية والاقتصادية، وبشكل خاص حول وضع المالية العامة، وبطبيعة الحال سوف تتطرّق المناقشات إلى الأوضاع الأمنية، لا سيما مع تصاعد التوتر في الجنوب، والتقصير الحكومي الكبير تجاه أبناء الجنوب الصامدين أو النازحين على حدّ سواء.

وهنا يفيد العديد من الأصدقاء النواب، سواء في جلساتنا الخاصة معهم أو في لقاءاتهم الإعلامية العلنية، أنهم سيواجهون الحكومة بالحقائق والوقائع ولن يجاملوا هذا الرئيس أو ذاك الوزير، لأنّ المسائل المطروحة تتعلّق بقضايا مصيرية وتضع البلد بأسره على المحكّ.

وكما ورد آنفاً فإنّ هذه الحكومة بلغت من العمر 19 شهراً، ولم تسجل مع الأسف أيّ نقطة إيجابية لصالحها طوال هذه الفترة الطويلة نسبياً في عمر الحكومات، فهي لم تفلح في تحقيق أيّ شيء على المستوى الوطني، وخاصة في مواجهة العدو الإسرائيلي الذي تنازلت له السّلطة عن كلّ شيء في ما سُمّيَ “اتفاق الإطار”! ولا هي أنجزت أيّ شيء في الشؤون المتعلقة بحياة الناس اليومية.

لم تفعل الحكومة شيئاً على هذا الصعيد منذ تشكيلها قبل سنة وسبعة أشهر، وهي عندما قرّرت أن تفعل ارتكبت الأخطاء الكبيرة واتخذت أغبى قرار وهو المتمثل بفرض 3 دولارات على كلّ لوح طاقة شمسية، لكنها اضطرت أن تتراجع عن هذا القرار بعدما أشبعها الناس والخبراء بما يعجبها من انتقادات بل أكثر من ذلك مما لن نعيده هنا، وبما يؤكد أنّ هذه الحكومة تتخبّط بقراراتها الغير مدروسة… وبما يدلّ إلى أنّ الحكومة لا تمتلك أيّ رؤية أو خطة حتى يتأمّل الناس بها خيراً

لقد تناسى جهابذة الحكومة أنّ المواطنين لجأوا إلى الطاقة الشمسية بعد الفشل الحكومي المزمن في تأمين الكهرباء، تماماً كما يحصل بالنسبة للمياه وغير ذلك من أمور يضطر الناس لتأمينها بأنفسهم.

وكما في الكهرباء كذلك في الاتصالات، إذ تراجعت وزارة الاتصالات تحت ضغط الناس والإعلام عن مشروعها لحصر عمليات تشريج الخطوط الخلوية المؤقتة بشراء ما يُسمّى “كارت التشريج” كاملاً، ووقف ما هو قائم حالياً من إمكانية تشريج هذه الخطوط إما بوحدات الاتصال أو بالأيام الإضافية لاستمرار صلاحية الخطوط، وهذه العمليات تسمح لأصحاب الخطوط بتوفير بضعة دولارات شهرياً، حتى هذه الدولارات القليلة كانت عين الحكومة عليها وتريد سحبها من جيوب المواطنين بطريقة أو بأخرى، وهذا يذكّر الناس بقصة السنتات الستة التي أشعلت ما سُمّيَ “ثورة” 17 تشرين الأول 2019 قبل أن يفرغها بعض الأطراف السياسية من مضمونها المطلبي ليأخذوا الناس وقوداً في مشاريعهم الفتنوية المموّلة من الخارج.

وحسناً فعلت وزارة الاتصالات حين أعلنت أنّ عمليات تشريج الخطوط المؤقتة باقية على حالها من دون أيّ تغيير.

في المحصّلة نجد أنّ هذه الحكومة لم تغيّر لا فاصلة ولا نقطة في نمط عمل الحكومات في لبنان، أيّ أنّ تفكيرها لا يزال داخل الصندوق، بينما تحتاج الحلول الاقتصادية والمالية إلى مَن لديه القدرة على التفكير من خارج الصندوق، ولكن مع الأسف الشديد أتى مشروع موازنة 2027 ليثبت ما نقوله، حيث أنها موازنة عادية تقليدية، لا تتخطى كونها دفتر حسابات لتسجيل الواردات والنفقات، مع بعض الزيادات الضريبية لتمويل الإنفاق الجاري، وذلك بدلاً من أن تكون موازنة إصلاح ونهوض اقتصادي. وموازنة تعبّر فعلياً عن التوجه المطلوب نحو الاقتصاد المنتج

أيّ أنّ الدولة تريد أن تحصل على معظم مواردها من جيوب الناس والمؤسسات، بدل أن تبدأ بإصلاح دولة مترهّلة، وضبط الهدر، وإقفال أبواب التسرب والامتيازات.

والأخطر أنّ الرواتب والأجور والمنافع الاجتماعية تبتلع نحو 53.5% من الإنفاق، فيما لا يتجاوز الإنفاق الاستثماري نحو 745 مليون دولار. فأين هي موازنة النمو؟ أين البنى التحتية؟ أين الاستثمار؟ أين خلق فرص العمل؟

والأكثر دلالة أنّ الـTVA والضرائب والرسوم على الاستهلاك والاستيراد تشكل جزءاً أساسياً من ماكينة الجباية. أيّ أنّ المواطن يدفع أكثر، بينما الدولة لا تقدّم له في المقابل خدمات عامة بمستوى ما يدفعه.

العجز الصفري في هذه الموازنة ليس إنجازاً اقتصادياً بحدّ ذاته؛ إنه نتيجة لمعادلة بسيطة: ارفعوا الإيرادات الضريبية، ثم أنفقوا ما جُبي.

هذه ليست سياسة مالية للخروج من الأزمة، بل استمرار للنهج نفسه الذي أوْصل المالية العامة والاقتصاد إلى هذا الواقع.

المطلوب ليس موازنة تزيد الجباية، بل موازنة تقلب المعادلة: تخفيض الإنفاق غير المنتج، وقف الهدر، إصلاح المؤسسات العامة، توسيع الاقتصاد الحقيقي، مكافحة التهرّب الضريبي، وتحويل الإنفاق من الاستهلاك إلى الاستثمار.

أما أن تستمرّ الدولة في تحميل المواطن كلفة الدولة، ثم تقدّم له «عجزاً صفرياً» كإنجاز، فهذه ليست معالجة للأزمة؛ إنها إدارة للأزمة وتأجيل لانفجارها.

لبنان لا يحتاج إلى موازنة تُحسن الحساب على الورق؛ لبنان يحتاج إلى دولة تُحسن إدارة المال العام، وفتح كلّ الطرقات أمام اقتصاد الإنتاج

captcha