المخا... مُغيّرة موازين القوى في البحر الأحمر سيطرة
- تُظهر التطورات التي شهدها اليمن في الأيام القليلة الماضية أن رحى الحرب في هذا البلد قد دخلت منعطفاً مختلفاً، وذلك بعد أكثر من أربع سنوات من هدوء حذرٍ نسبي. فقد أحكمت حركة “أنصار الله” مؤخراً قبضتها على مدينة المخا الساحلية المطلة على البحر الأحمر؛ وهو تطور متسارع تزامن، وفقاً لمصادر يمنية وتقارير وكالة “رويترز”، مع زحف هذه القوات نحو جزر “حنيش” وتقهقر القوات المدعومة سعودياً في أجزاء من الساحل الغربي. ولا يقف هذا التحول عند مجرد سقوط مدينة في أتون المعارك، فمدينة المخا تتربع على بقعة جغرافية تشكّل حلقة الوصل بين الساحل الغربي لليمن والمعادلات البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
1- الساحل الغربي: جبهة تنفض غبار الركود وتشتعل من جديد
أسهمت هدنة عام 2022 عملياً في خفض حدة أوزار الحرب الأهلية اليمنية، غير أن شرارة الخلاف بين حكومة صنعاء والرياض لم تنطفئ. وفي الأيام الأخيرة، استعرت نيران الاشتباكات مجدداً، لتنصبّ جُلّ عمليات “أنصار الله” هذه المرة على الساحل الغربي والمسارات المؤدية إلى باب المندب، بدلاً من جبهات الشمال التقليدية. وقد أفادت صحيفة “الغارديان” عن سقوط أكثر من ألف قتيل ونزوح عشرات الآلاف في هذه الموجة الجديدة من الصراع اليمني.
وتشير تقارير “رويترز” إلى أنه في أعقاب السيطرة على المخا، واصلت قوات “أنصار الله” تقدمها صوب جزر “حنيش”، دافعةً بالقوات المدعومة سعودياً للاندحار نحو منطقة “ذُباب”، وهي رقعة جغرافية تتاخم مباشرةً مضيق باب المندب وتقابل جزيرة “ميون”. ويكتسي هذا التحرك الميداني أهميةً بالغةً؛ فاستمراره يعني تحول “أنصار الله” من مجرد قوة تهيمن على المناطق المكتظة بالسكان في شمال وغرب اليمن، إلى فاعل استراتيجي بسط عمقه العملياتي ليصل إلى أقصى جنوب ساحل البحر الأحمر.
في المقابل، يئنّ المعسكر المناهض لـ “أنصار الله” تحت وطأة خلل بنيوي عميق، إذ تفتقر القوات المدعومة سعودياً والقوات الجنوبية والفصائل العسكرية المحلية إلى قيادة موحدة وأهداف متجانسة. وفي هذا الصدد، وصفت وكالة “أسوشيتد برس” الاستيلاء على المخا بأنه أهم إنجاز ميداني تحققه “أنصار الله” منذ هدنة 2022.
2- ما سر الأهمية الاستراتيجية لـ “المخا” بالنسبة لـ “أنصار الله”؟
أولاً؛ تحويل الجغرافيا الساحلية إلى ورقة ضغط استراتيجية: تربض المخا في الشطر الجنوبي من البحر الأحمر على مقربة من باب المندب؛ ذلك المضيق الاستراتيجي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويُعد شرياناً حيوياً لنقل البضائع والطاقة بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا. وقد أكدت “رويترز” على الأهمية القصوى لباب المندب في تدفق نفط ووقود الخليج الفارسي نحو البحر المتوسط، فضلاً عن تجارة البضائع الآسيوية. بناءً عليه، تتجاوز أهمية المخا قدراتها الاقتصادية الذاتية؛ إذ إن إحكام السيطرة عليها يُقرّب “أنصار الله” من أكثر العُقد الجغرافية البحرية حساسيةً في المنطقة، مما يضاعف من قوة ردعها ويعزز من أوراق تفاوضها.
ثانياً؛ تضييق الخناق على مسارات تصدير الطاقة السعودية: يمثّل هذا التحول ناقوس خطر للرياض؛ ففي ظل الاضطرابات التي تعتري حركة الملاحة في مضيق هرمز، تعمد السعودية إلى تصدير جزء من نفطها عبر محطة “ينبع” على ساحل البحر الأحمر. وقد حذرت “رويترز” من أن تمدد نفوذ “أنصار الله” في باب المندب، قد يلقي بظلاله القاتمة على مسارات تدفق النفط السعودي نحو الأسواق الآسيوية، ما يخلق ثغرةً أمنيةً جديدةً في صميم استراتيجية الطاقة للرياض. وعليه، كلما تعاظمت أهمية المسارات البديلة لهرمز، ارتفعت القيمة الجيوسياسية للساحل الغربي لليمن. ومن هذه الزاوية، قد تغدو المخا جزءاً من معادلة أشمل، تنقل ثقل الضغط على السعودية من حدودها الجنوبية إلى فضائها البحري وأمن طاقتها.
ثالثاً؛ تحطيم الميزة الجغرافية للقوات الغريمة: لطالما تمثّل أحد أبرز أهداف القوات المناهضة لـ “أنصار الله” خلال السنوات الماضية في التشبُّث بشريط ساحلي في غرب اليمن، والحيلولة دون تمدد نفوذ حكومة صنعاء جنوباً. إلا أن سقوط المخا قد قلب ظهر المجن لهذه المعادلة، وباتت القوات المدعومة سعودياً مجبرةً على إعادة لملمة صفوفها وتنظيمها في محاور جديدة. وتكمن الأهمية العسكرية للمخا في كونها مكّنت “أنصار الله” من اقتناص زمام المبادرة، متحولةً من موقع المدافع عن أراضيه إلى قوة ضاربة ترسم معالم جغرافيا المعركة.
رابعاً؛ تعزيز الثقل السياسي لحكومة صنعاء: كلما اتسعت الرقعة الجغرافية وتنوعت الأقاليم الخاضعة لسيطرة “أنصار الله”، تضاءلت احتمالية تهميشها في أي مفاوضات مستقبلية. حتى الآن، استمدت حكومة صنعاء ثقلها كلاعب رئيسي أساساً من سيطرتها على العاصمة وكثافة سكانية هائلة. غير أن ضمّ موقع ساحلي بالغ الأهمية إلى سيطرتها، من شأنه أن يرجح كفتها السياسية؛ ففي أي مفاوضات قادمة، لن تقتصر طاولة الحوار على تقاسم السلطة في الداخل اليمني فحسب، بل ستطرح ملفات أمن البحر الأحمر، والتجارة الدولية، وتصدير الطاقة كمتغيرات حاسمة في المعادلة.
3- لماذا تواجه السعودية اليوم معادلةً أشدّ تعقيداً؟
تجد الرياض نفسها اليوم أمام معضلة شائكة تستعصي على الحلول اليسيرة. الخيار الأول يتجلى في التصعيد العسكري؛ فقد شنت السعودية غارات جوية رداً على هجمات “أنصار الله” الأخيرة، وأُفيد بوقوع عشرات الغارات على مواقع الحركة في الأيام الماضية. غير أن الانزلاق مجدداً إلى أتون حرب شاملة يحمل في طياته ذات المخاطر التي سعت الرياض جاهدةً للنأي بنفسها عنها في السنوات الماضية، ألا وهي: استنزاف الأمن الداخلي، وتكبّد فواتير عسكرية باهظة، وانكشاف البنية التحتية للطاقة أمام الهجمات.
أما الخيار الثاني، فيتمثل في الضغط السياسي واللجوء إلى طاولة الحوار؛ غير أن المعضلة تكمن في أنه كلما اشتد ساعد “أنصار الله” ميدانياً، غدت التنازلات الممنوحة لحكومة صنعاء باهظة الثمن بالنسبة للسعودية، وحتمية لا مناص منها في آنٍ واحد. من جهة أخرى، يزيد التشظي الذي يعصف بالجبهة المناوئة لـ “أنصار الله”، من تعقيد مهمة الرياض. فالقوى اليمنية المتعددة المدعومة خارجياً لا تشاطر بعضها الرؤى والأهداف ذاتها، وقد كبّلت الخلافات فيما بينها أي مساعٍ لتشكيل جبهة موحدة. وهو ما أشارت إليه “الغارديان” مسلطةً الضوء على انسحاب القوات الموالية للسعودية وما تعانيه من إخفاقات في التنسيق المشترك.
٤- مستقبل اليمن: ترسيخٌ للمكاسب أم حرب استنزاف؟
يرتهن مستقبل التطورات إلى حد بعيد بمدى قدرة “أنصار الله” على تثبيت أقدامها في المخا والمحاور المحيطة بها من عدمه. فإن قُدّر لذلك أن يتحقق، فإن الخطوة التالية لحكومة صنعاء ستتبلور على الأرجح في السعي الدؤوب لتحصين مواقعها على امتداد الساحل، وتكثيف الضغط على المحاور المتاخمة لباب المندب. وكما أوردت “رويترز”، فإن “أنصار الله” تقترب بخطى حثيثة من جزر “حنيش” ومحور “ذُباب”؛ وهو تطور إن استمر، فإن تداعياته ستتخطى بأشواط مجرد السيطرة على ميناء تقليدي. في المقابل، لن تقف السعودية مكتوفة الأيدي، بل ستحاول عرقلة هذا التمدد عبر الغارات الجوية، وإعادة تأهيل القوات المحلية، وممارسة الضغوط الدبلوماسية.
لكن المعضلة الجوهرية للرياض تكمن في أن استعادة الوضع السابق لم تعد ممكنةً بمجرد القصف الجوي، لأن صلب القضية اليوم يتمحور حول انقلاب في موازين القوى البرية على الأرض. في خضم هذه المعطيات، تستند “أنصار الله” إلى موقعها الجغرافي، وترسانتها الصاروخية وقدراتها في الطائرات المسيرة، فضلاً عن خبرتها المتراكمة في حرب طويلة الأمد، لتمتلك قدرةً استثنائيةً على إدامة زخم الضغط.
في واقع الأمر، ينبغي قراءة استيلاء “أنصار الله” على المخا في سياق إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية للقوة في اليمن. ولا تنبع أهمية هذه المدينة من مينائها فحسب، بل لكونها تقف على نقطة تقاطع ثلاثة ملفات مفصلية: الحرب الأهلية اليمنية، وأمن مضيق باب المندب، وأمن الطاقة السعودي. وإذا نجحت “أنصار الله” في ترسيخ وجودها في المخا والمحاور المؤدية إلى باب المندب، فمن المرجح، ولأول مرة منذ سنوات الحرب، أن تتبدل الموازين في غرب اليمن بطريقة تجبر السعودية على دخول المرحلة المقبلة ليس من موقع القوة العسكرية المتعالية، بل من موقع الساعي لإدارة الأزمات، والباحث عن مخرج لترويض قوة حكومة صنعاء. وفي هذه الحالة، لن يقتصر الهمّ الأكبر للرياض على مجرد كبح جماح زحف “أنصار الله” في اليمن، بل سيتعداه إلى الحيلولة دون تحوُّل الساحل الغربي اليمني إلى أداة ضغط دائمة تُسلط على رقبة الأمن البحري وأمن الطاقة السعودي.