علي الطاهر.. فقط أسئلة.. لا ادعاء امتلاك أجوبة
منذ أن أعلن جيش الاحتلال تحقيق «السيطرة العملياتيّة» على مرتفعات علي الطاهر، لم تتوقف الصحافة الإسرائيلية عن الأسئلة حول صيغة الإعلان الملتبس، سيطرة عملياتيّة لا احتلال، ثم انتهاء التهديد، أما الرواية الإسرائيلية فقدّمت علي الطاهر كموقع استراتيجي شديد الأهمية. حيث قال بنيامين نتنياهو إن المرتفعات كانت موقعاً استراتيجياً لا يقتصر خطره على استهداف المطلّة وكريات شمونة، بل يرتبط بخطة «احتلال الجليل». ووصفها يسرائيل كاتس بأنها معقل ومنصة انطلاق لغزو الجليل، بينما قال رئيس الأركان إيال زامير إن المنشأة المحصّنة فيها كانت مركزاً لبنى القيادة والسيطرة والقتال التابعة للمقاومة. وأضاف الجيش أن شبكة أنفاق تتجاوز كيلومترين كانت تضمّ مقر القيادة المركزي لوحدة بدر وغرف عمليات وإقامة ومستودعات صواريخ وطائرات مسيّرة وأسلحة مضادة للدروع.
هذه ليست أوصافاً صحافيّة أو استنتاجات صادرة عن خصوم “إسرائيل”، بل رواية متكاملة قدمتها القيادة السياسية والعسكرية للاحتلال. ووفق هذه الرواية نحن أمام أهم منشأة عسكرية للمقاومة في جنوب لبنان، أُنشئت خلال عشرين عاماً بتمويل وتخطيط إيرانيين، وتشرف بصرياً ونارياً على إصبع الجليل، ولا سيما المطلة وكريات شمونة، وعلى ممرات الاقتراب والوصول إليه. كما قال ضابط إسرائيلي كبير للصحف الإسرائيلية، إنه لا توجد شمالها منشأة بمثل حجمها حتى الضاحية الجنوبية لبيروت. وإذا كان هذا الوصف صحيحاً، فإن ما حدث بعد إعلان السيطرة عليها يطرح أسئلة أكبر من الإنجاز الذي أرادت “إسرائيل” تسويقه.
السؤال الأول الذي يسبق سائر الأسئلة هو هل دخل جنود الاحتلال فعلاً إلى قلب المنشأة، أم بلغوا بعض مداخلها ومساراتها الطرفية فقط، ثم فجروا الشبكة عن بعد؟ فلو كان الجيش قد دخل المنشأة كاملة وحقق السيطرة عليها فوق الأرض وتحتها كما يقول، لكان قادراً أن يشارك أوسع تجمع من الصحافيين الإسرائيليين والدوليين، لتقديم تصوير متصل يبدأ من فتحات الدخول، ويمرّ بالأنفاق وغرف القيادة، وينتهي بمخازن الصواريخ والطائرات المسيّرة. وكان يستطيع عرض الخرائط والوثائق وأجهزة الاتصال والأسلحة وجثامين المقاومين الذين زعم قتلهم. أما الصور المجتزأة فلا تثبت السيطرة الكاملة، ولا تكشف المساحة التي دخلها الجنود فعلياً، وربما يقول البعض إنها من صور سابقة لأنفاق في غزة، كما حدث فعلا في روايات التشكيك التي نشرت.
السؤال الثاني هو لماذا جرى تفجير المنشأة بتلك الطريقة الاستعراضية، باستخدام ما قال الجيش إنه ألف ومئة طن من المتفجرات، حتى سجلت أجهزة الرصد اهتزازاً بقوة 4.1 درجات؟ تدمير الأنفاق بعد تفريغها من محتوياتها أمر مفهوم عسكرياً، لكن تفجير الموقع بكامله يمحو مسرح العملية ويدفن الأدلة التي تسمح بالتحقق المستقل من طبيعته وحجمه وموجوداته. وقد يتحوّل التفجير بذلك من دليل على ضخامة المنشأة إلى وسيلة تمنع اكتشاف الفرق بين حجمها الحقيقيّ وحجم الرواية التي نُسجت حولها.
السؤال الثالث هو أين المؤتمر الصحافي العسكري الذي كان يفترض أن يُعقد في الموقع؟ عندما يعلن الجيش اكتشاف «مركز الأعصاب» الذي كان يقود جبهة جنوب لبنان ويهدد الجليل كله، يصبح طبيعياً أن يستدعي الصحافيين والمراسلين العسكريين، ويعرض أمامهم غرف القيادة والخرائط وأجهزة الاتصال ومستودعات السلاح والصواريخ والطائرات المسيّرة. لكن الاحتلال اكتفى ببيانات ومقاطع منتقاة، ثم أسرع إلى نسف المكان. فما الذي حال دون تقديم الأدلة قبل التفجير، ما دام الجيش يؤكد أنه كان يسيطر على الموقع فوق الأرض وتحتها؟ وإذا كان بعض اللبنانيين مستعدين لتناقل الرواية الاسرائيلية بلا تدقيق فإن الإعلام العبري ليس كذلك، والإعلام العالمي بدأ بطرح الأسئلة الصعبة.
السؤال الرابع هو أين الأسلحة التي قيل إنها ضُبطت داخل المنشأة؟ فقد تحدث الجيش عن عشرات الصواريخ والطائرات المسيرة والصواريخ المضادة للدروع والألغام والعبوات. لكن المواد المنشورة أظهرت ممرات وغرفاً وبعض الذخائر وقذائف الهاون، ولم تقدم عرضاً واضحاً للصواريخ والطائرات المسيرة المزعومة. وظهر في إحدى الصور صندوق ذخائر تحمل كتاباته طابعاً عبرياً، ما يفتح باباً إضافياً للتشكيك بدلاً من أن يقدّم دليلاً. ولا تستطيع الرسوم التوضيحية أو اللقطات المنتقاة أن تحلّ محل التوثيق المباشر والمتصل لموجودات منشأة قيل إنها من الأكبر في لبنان.
السؤال الخامس هو أين جثامين نحو خمسين مقاوماً؟ بعدما قالت مصادر الجيش إن قرابة خمسين مقاوماً كانوا داخل الشبكة، وإن غالبيتهم العظمى استشهدت، بعدما رفضوا الاستسلام وقاتلوا حتى النهاية، بينما تمكّن عدد قليل منهم من الانسحاب تحت غطاء الضباب. لكن الجيش لم يعرض جثامينهم ولا وثائقهم ولا أسلحتهم ولا آثار معركة بالحجم الذي تتطلبه مواجهة استمرّت شهوراً. وما نشره لا يتجاوز توثيق استهداف أحد المقاومين قرب فتحة نفق. وهذا لا يشكل دليلاً على قتل خمسين مقاوماً أو معظمهم.
السؤال السادس هو لماذا انسحب جيش الاحتلال من علي الطاهر بعد كل هذا الوصف لأهميّتها، وأعاد انتشار قواته في اتجاه قلعة الشقيف؟ فإذا كانت علي الطاهر موقعاً حاكماً يشرف بصرياً ونارياً على إصبع الجليل وممرات الوصول إليه، ويضم مركز القيادة والسيطرة الأهم للمقاومة، فلماذا لا يحتفظ الاحتلال به بعد السيطرة عليه؟ ولماذا يكتفي بالقول إنّه سيمنع عودة المقاومة بواسطة المراقبة والسيطرة الناريّة والعملياتيّة؟ إن إعلان الاستعداد لمنع عودتها يعني أن احتمال العودة قائم، ويناقض القول إن التهديد زال بصورة نهائيّة.
أما السؤال السياسي الأوضح فهو لماذا لم يسلم الاحتلال مرتفعات علي الطاهر إلى الجيش اللبناني، ما دام قد قرّر الانسحاب منها، أسوة بما جرى في زوطر الغربية التي لم يستطع دخولها؟ كان انتشار الجيش اللبناني فيها يقطع الطريق على عودة المقاومة إليها وفق الحجة الإسرائيلية نفسها، ويتيح للاحتلال الادعاء بأنه لا يريد الأرض بل إزالة الخطر. أما الانسحاب من الموقع وتركه بلا تسليم للجيش، مع التهديد بقصفه إذا عادت المقاومة إليه، فيطرح أسئلة كبرى حول مصداقية الرواية كلها.
هكذا تتجمّع الأسئلة في مواجهة الرواية الإسرائيلية. هل دخل الاحتلال المنشأة فعلاً؟ لماذا فجّرها قبل عرضها؟ أين المؤتمر الصحافي؟ أين الصواريخ والطائرات المسيرة؟ أين جثامين المقاومين الخمسين؟ لماذا انسحب من موقع وصفه بأنه مفتاح تهديد الجليل؟ ولماذا لم يسلّمه إلى الجيش اللبناني؟ وعندما تغيب الإجابات والأدلة، يصبح الانفجار الهائل محاولة لإغلاق الأسئلة لا للإجابة عنها، ويغدو الحديث عن «الخط الرماديّ» والتراجع إلى مواقع خلفية أقرب إلى كشف حقيقة ما جرى خلف كواليس السياسة والدبلوماسية كما يُقال، من رواية الانتصار الكبير.
البناء