بزشكيان: ايران بفضل موقعها الجغرافي والاستراتيجي مستعدة لتكون حلقة بين دول "بريكس"
طهران-ارنا:- أكد رئيس الجمهورية الاسلامية "مسعود بزشكيان"، أن " توسيع نطاق استخدام العملات الوطنية في التجارة بين دول مجموعة الـ“بريكس” يمثل إحدى الخطوات الأكثر أهمية؛ مشدداً على ضرورة اقتران هذه الخطوة بإنشاء الأدوات اللازمة لإدارة مخاطر العملة والتسوية المتبادلة، نظراً لأن النظام المالي الراهن يعاني من الهشاشة أمام الصدمات السياسية بسبب تركيزه علی سلة محدودة من العملات".
وأكد الرئيس بزشكيان في كلمته أمام المنتدى الاقتصادي لقادة دول مجموعة الـ “بريكس” المنعقد في نيودلهي امس الجمعة،أن "العالم يقف على أعتاب تحول جذري في ظل تنامي الذكاء الاصطناعي".
وشدد على أنه لا ينبغي لمجموعة الـ “بريكس” أن تكتفي بدور المستهلك للتكنولوجيا، بل يجب أن تضطلع بدور فاعل في إنتاج المعرفة وصياغة معايير الاقتصاد الرقمي، إلى جانب تعزيز الأمن السيبراني للبنى التحتية الحيوية.
وفيما يلي نص كلمة رئیس الجمهوریة:
في البداية، أودّ أن أتوجه بخالص الشكر والتقدير لحكومة وشعب الهند الصديق على حسن الاستضافة وكرم الضيافة لهذا الاجتماع، كما أعرب عن شكري الصادق لرئيس وزراء الهند على جهوده القيّمة في تعزيز تعاون “البريكس”. وإنه لمن دواعي سروري أن أكون اليوم بين ممثلي القطاع الخاص والمؤسسات الاقتصادية ورواد الأعمال، الذين يمكنهم تحويل فكرة التعاون في “البريكس” إلى واقع اقتصادي ملموس.
يواجه العالم اليوم مرحلة مفصلية تتسم بأقصى درجات التعقيد. فقد أدت حالة عدم اليقين الجيوسياسي، واضطرابات سلاسل التوريد، والاستخدام المتزايد للأدوات الاقتصادية كوسيلة لممارسة الضغط السياسي، إلى جعل بيئة النشاط الاقتصادي أكثر تحدياً وصعوبة. والسؤال المطروح هو: ما هو ردّ “البريكس” على هذه التحديات؟ نحن نؤمن بأن القوة الحقيقية للبريكس لا تقتصر على حجم اقتصادات الدول الأعضاء فحسب، بل تتجلّى بشكل أوضح حين تتحول هذه الطاقات إلى شبكة متكاملة من التجارة والاستثمار والتمويل المشترك؛ أي الانتقال من “التعاون الكامن” إلى “التعاون التنفيذي”.
الزملاء الأعزاء؛
ترى الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تحقيق المرونة الاقتصادية لا تأتى دون تنويع الشركاء التجاريين، ومصادر التمويل، ومسارات الدفع. لقد واجهت إيران على مدى السنوات الماضية عقوباتٍ واسعة، وإن هذه الضغوط تفاقمت في الأشهر الأخيرة لتتخذ منحىً أكثر تعقيداً وخطورةً، مع العدوان العسكري الأمريكي و"الإسرائيلي" على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. هذا العدوان، إلى جانب خسائره البشرية والمادية، أماط اللثام مجدداً عن حقيقةٍ جوهرية: وهي أن الأمن الاقتصادي لا ينفصل عن الأمن القومي والإقليمي. فكلما تعرّضت تجارةُ دولةٍ ما، أو طاقتها، أو بنيتها التحتية، أو نظامها المالي لضغوطٍ سياسية أو عسكرية، فإن تبعات ذلك ستتجاوز حدود تلك الدولة، لتلقي بظلالها على الاستقرار الإقليمي بل والاقتصاد العالمي بأسره. لذا، يتعين على “البريكس”، من خلال بناء قدراتٍ مرنة لاقتصادات دوله وللجنوب العالمي، أن يخلق بيئةً لا تستطيع فيها أي دولة عبر احتكار أدوات مالية أو تكنولوجية أن تعطل التجارة المشروعة لدولة أخرى.
وفي سياق تعزيز التجارة البينية داخل “البريكس”، يتحتم علينا الانتقال من التعاون المحدود إلى التكامل التدريجي للبنى التحتية التجارية. وفي هذا الصدد، تكتسب عدة إجراءات أهميةً خاصة، منها: رقمنة الإجراءات الجمركية وتوحيدها، وتسهيل حركة التجارة، وتقليص الحواجز التنظيمية والإدارية، وتطوير الأسواق العابرة للحدود، فضلاً عن تيسير الاستثمار المشترك للقطاع الخاص.
كما نقترح تعزيز التعاون في مجال إرساء المعايير؛ لنرتقي بـالبريكس من كونه مجرد سوق لتبادل المواد الخام، إلى شبكة متكاملة من سلاسل القيمة والإنتاج الصناعي المشترك.
يعد الأمن الغذائي والطاقوي ركيزتين جوهريتين للأمن الاقتصادي؛ وفي هذا الصدد، تؤكد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بما تمتلكه من احتياطيات ضخمة من الطاقة وموقع جيوسياسي متميز استعدادها للاضطلاع بدور الشريك الاستراتيجي في سلاسل توريد الطاقة والغذاء والنقل لدول مجموعة الـ "بریکس".
السادة الحضور؛
إن توسيع نطاق استخدام العملات الوطنية في التجارة بين دول مجموعة الـ“بريكس” يمثل إحدى الخطوات الأكثر أهمية. ولا بد أن تتزامن هذه الخطوة مع إنشاء الأدوات اللازمة لإدارة مخاطر العملة والتسوية المتبادلة،؛ إذ إن النظام المالي الحالي، بسبب تركيزه على عدد محدود من العملات، بات عرضةً للهزات والصدمات السياسية.
وفي سبيل ترجمة التعاون التجاري إلى استثماراتٍ ملموسة، ينبغي على “بنك التنمية الجديد” أن يضطلع بدور المحرك الرئيس لتمويل مشاريع البنية التحتية والطاقة في الدول الأعضاء، وذلك عبر خطوط ائتمانية خاصة، والتمويل بالعملات المحلية، وأدوات الضمان اللازمة لاستقطاب رأس المال الخاص.
الزملاء الأعزاء؛
ثمة مقترح محدد آخر تطرحه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو تأسيس شركة إعادة تأمين مشتركة لدول “البريكس” برأس مال أولي قدره عشرة مليارات دولار؛ بهدف تغطية مخاطر المشاريع الكبرى في قطاعي البنية التحتية والطاقة، وتعزيز ثقة القطاع الخاص.
إننا نقف اليوم على أعتاب تحول جذريٍ في الاقتصاد العالمي بفعل تنامي دور الذكاء الاصطناعي. لذا، لا ينبغي للبريكس” أن يكتفي بدور المستهلك للتكنولوجيا، بل يجب أن يضطلع بدور في إنتاج المعرفة وصياغة معايير الاقتصاد الرقمي، فضلاً عن تعزيز الأمن السيبراني للبنى التحتية الحيوية.
يتحتم على “مجلس أعمال البريكس” التحول من إطار للحوار إلى قاطرة تنفيذية للتعاون الاقتصادي. وينبغي لفرق العمل المتخصصة التابعة له بالاستناد إلى مؤشراتِ أداء واضحة، مثل معدل نمو التجارة البينية داخل البريكس، وحصة العملات الوطنية في حجم التبادل التجاري، وحجم رأس المال الخاص المستثمر أن تبلور مشاريع ملموسة وقابلة للقياس.
إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بفضل موقعها الجغرافي الاستراتيجي ومواردها الطاقوية، على أتم الاستعداد لتكون حلقة محورية في مسارات الربط الاقتصادي لدول البريكس. ونحن نؤمن بأن “البريكس” سيتحول إلى قوة حقیقیة في الاقتصاد العالمي حين يتجسد تعاوننا في عقود ومصانع وموانئَ والحياة الاقتصادية لشعوب الدول الأعضاء.
تؤكد الجمهورية الإسلامية الإيرانية استعدادها للعمل جنباً إلى جنب مع كافة أعضاء “البريكس” من أجل بناء اقتصاد أكثر انفتاحا ومرونة وعدالة.