حافة الهاوية الانتخابية: كيف يواجه ترامب فاتورة حربه ضدّ إيران من رصيد حزبه؟
حسن حردان
يشهد المشهد الجيوسياسي مرحلة بالغة الخطورة جراء اتساع رقعة المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، وتحوّل مضيق هرمز إلى بؤرة اشتعال رئيسية أفضت إلى تعطل حركة ناقلات النفط وعسكرة الممر المائي. وقد انعكس هذا التوتر الميداني المتبادل ـ بدءاً من استهداف البنى التحتية ووصولاً إلى التهديدات الأميركية المباشرة ضدّ المواقع الاستراتيجية الإيرانية ـ على الأسواق العالمية، دافعاً بأسعار برنت لتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل وتلويح الإدارة الأميركية باستراتيجية الضغط الأقصى رغم فواتيرها الثقيلة.
أولاً: استراتيجية الصدمة والتكلفة المعيشية
تتجلى عقيدة ترامب في إدارته للسياسة الخارجية بعقلية “المطور العقاري”، حيث يُستخدم التصعيد العسكري كأداة هدم لكسر صلابة الموقف الايراني وفرض شروط تفاوضية واسعة لا تقتصر على الملف النووي فحسب، بل تمتدّ لحرية الملاحة والعقوبات. غير أنّ هذه السياسة نقلت ساحة المعركة إلى جيب المواطن الأميركي مباشرة، متسبّبة في موجة تضخم وغلاء حادّ في أسعار الوقود، مما دفع البيت الأبيض إلى مطالبة الشارع بتحمّل التكاليف حتى استحقاقات الانتخابات النصفية. هذا الوضع خلق ضغطاً سياسياً هائلاً من المعارضة الديمقراطية، وأفرز تراجعاً ملحوظاً في مؤشرات التأييد الشعبي للحزب الجمهوري الذي بات يخشى دفع فاتورة انتخابية باهظة.
ثانياً: الاستنتاجات الكبرى
المناورة التكتيكية مقابل الانزلاق الاستراتيجي: إنّ تقلبات ترامب المستمرة بين لغة الحرب والصفقات ليست تخبّطاً عشوائياً، بل هي محاولة مستمرة لإرباك طهران وامتصاص الغضب الداخلي في آن واحد، رغم أنّ هامش المناورة يضيق كلما ارتفعت كلفة الطاقة وتوسّعت دائرة الحرب الإقليمية لتشمل حلفاء الطرفين من اليمن إلى لبنان.
ترابط أمن الطاقة بالاستحقاقات الانتخابية: بات مصير السياسة الخارجية الأميركية مرتبطاً بشكل وثيق بالمعادلة الاقتصادية المحلية؛ فالضغط الشعبي وتذمّر الناخبين من أسعار الوقود يشكلان الكابح الأبرز أمام أيّ اندفاعة نحو حرب واسعة النطاق، مما يرجح اللجوء المتقطع إلى تهدئة مؤقتة أو تفاهمات خلفية لتخفيف الاحتقان.
تصدّع الاستقرار الإقليمي كلفة حتمية: أفرزت هذه السياسة واقعاً كارثياً على اقتصادات الشرق الأوسط وممراته الحيوية، وأثبتت أنّ استمرار نهج الضغط الأقصى دون أفق سياسي واضح يحوّل المنطقة إلى ساحة حرب استنزاف مفتوحة تكوي الجميع بنيرانها.
ثالثاً: هل تنجح إدارة ترامب في احتواء هذه العاصفة المعيشية قبل الانتخابات، أم أنّ التصعيد العسكري سيلتهم رصيد الحزب الجمهوري الانتخابي؟
الأرجح انّ كفة سيناريو الضغط المؤقت ثم الاتجاه نحو التهدئة أو “الاحتواء المبرمج”، على الرغم من طبيعة ترامب وعنجهيته المعروفة.
الاعتبارات التي ترجح هذا الاتجاه تستند إلى عدة وقائع ومؤشرات عملية:
1 ـ هاجس الاستحقاق الانتخابي: تقترب الانتخابات النصفية للكونغرس، ومع تجاوز أسعار النفط عتبة الـ 100 دولار ووصول تكلفة الوقود على المواطن الأميركي إلى مستويات قياسية تشكل عبئاً معيشياً ضاغطاً، يدرك البيت الأبيض أنّ الاستمرار في تصعيد عسكري مفتوح يلهب الأسعار أكثر سيعود بـ “انتحار سياسي” على الحزب الجمهوري في صناديق الاقتراع.
2 ـ تكتيك حافة الهاوية لا يعني بالضرورة الحرب العبثية: إنّ تقلبات ترامب التاريخية توضح أنه يستخدم القوة المفرطة والتلويح بالضربات (مثل التهديد بممرّ هرمز والمواقع المحصّنة) كأداة ضغط قصوى لانتزاع مكاسب أو تفاهمات، لكنه غالباً ما يتجنّب الغرق في مستنقع حروب استنزاف طويلة الأمد إذا شعر بأنّ تكلفتها الداخلية أصبحت باهظة على شعبيته الشخصية.
3 ـ البحث عن مخرج دبلوماسي حفظاً لماء الوجه: مع لجوء الإدارة لتخفيف السقف والحديث عن استراتيجيات أقلّ صخباً في الميدان، يُرجح أن تلجأ واشنطن إلى قنوات خلفية أو صفقات جزئية تضمن أمن الملاحة وتمنح ترامب “صورة المنتصر” دبلوماسياً، بغية تهدئة الأسواق وتبريد الجبهات ريثما ينتهي المعترك الانتخابي.
وعليه، فإنّ الميزان يرجح كفة التهدئة التكتيكية وضبط الإيقاع العسكري لتفادي الانفجار الشامل، لأنّ الحسابات السياسية الداخلية وضرورات حماية الحزب الجمهوري تظلّ هي البوصلة الأقوى تحكّماً بقرارات البيت الأبيض في الأوقات الحرجة، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية، وذلك هرباً من الانتحار السياسي الانتخابي جراء استمرار أسعار النفط المرتفعة. وفي المقابل، يظلّ احتمال المكابرة واستمرار التصعيد قائماً إذا ارتأت القيادة الأميركية أنّ التراجع سيظهرها بمظهر الضعف، غير أنّ كلفة استمرار النزاع تجعل خيار إدارة الأزمة عبر قنوات الاحتواء والتهدئة المنهجية هو المخرج المرجح لتبريد الشارع الأميركي.