«إسرائيل» تتهيّأ للحرب الكبرى؟!
عباس المعلم
ما يجري داخل “إسرائيل” لا يشبه مناورة روتينية تسبق الأعياد بقدر ما يوحي بأنّ المؤسسة العسكرية انتقلت إلى اختبار عملي لليوم التالي لقرار كبير. التزامن بين مناورة مفاجئة تحاكي حرباً متعددة الساحات، ورفع الجاهزية لهجوم مباغت، والتصعيد المتسارع في جنوب لبنان، والحديث “الإسرائيلي” عن قرب تدمير المنشأة تحت الأرض في علي الطاهر، يجعل الفصل بين هذه المسارات أمراً صعباً. هنا يمكن قلب الرواية “الإسرائيلية” رأساً على عقب: الجيش لا يستعرض فقط قدرته على فتح الحرب، بل يختبر قدرته على تحمّل الردّ عليها. استدعاء الاحتياط، وفحص منظومات القيادة، واختبار سرعة اتخاذ القرار وتحريك القوات بين الجبهات، كلها تعني أنّ العقل العسكري “الإسرائيلي” يضع أمامه فرضية أخطر من عملية موضعية في جنوب لبنان: أن تضرب “إسرائيل” في مكان، فتأتيها الإجابة من أكثر من مكان.
وعند هذه النقطة يصبح التصعيد الكلامي لبنيامين نتنياهو تجاه إيران جزءاً من المشهد العملياتي، لا مجرد ضجيج سياسي. إعلان هدف بحجم «إسقاط النظام» والحديث عن مهمة ستغيّر وجه الشرق الأوسط لا يصدران في فراغ، بل بالتزامن مع جيش يرفع جاهزيته على الجبهات كافة. والمفارقة أنّ تل أبيب كلما بالغت في إظهار اليقين بالنصر، كشفت إجراءاتها العسكرية حجم عدم اليقين بما سيحدث بعد الضربة الأولى. “إسرائيل” تستطيع اختيار ساعة الهجوم والهدف الذي ستقصفه، لكنها لا تستطيع اختيار حجم الردّ ولا جغرافيته ولا تسلسله الزمني. ومن هنا تبدو المناورة كأنها محاكاة للحظة التي قد تفقد فيها “إسرائيل” احتكار المبادرة: إيران من الشرق، ولبنان من الشمال، واحتمالات أخرى قد تتدحرج تباعاً. وهكذا يتحوّل خطاب «تغيير الشرق الأوسط» من إعلان قوة إلى مقامرة استراتيجية قد لا تملك “إسرائيل” مفاتيح إيقافها متى بدأت.
أما علي الطاهر، فلم تعد في الحسابات “الإسرائيلية” مجرد مرتفع أو منشأة تحت الأرض؛ لقد تحوّلت إلى عقدة جيوسياسية صغيرة المساحة، ضخمة التداعيات. “إسرائيل” تريد جعلها اختباراً لقدرتها على توسيع ما تسمّيه «حرية العمل» وفرض وقائع جديدة بالنار، فيما يؤدّي دخول العامل الإيراني على خط الحسابات إلى رفعها من مستوى الاشتباك اللبناني إلى مستوى ميزان الردع الإقليمي. لذلك فإنّ تفجير المجمع، إنْ وقع، لن تكمن خطورته في كمية المتفجرات أو حجم الدمار بقدر ما ستكون في الأسئلة التي ستولد بعد ثوانٍ من الانفجار: هل تردّ المقاومة؟ هل تدخل إيران؟ وأين تقف حدود الردّ والردّ المضاد؟ عندها قد تكتشف “إسرائيل” أن تفجير منشأة تحت الأرض أسهل بكثير من تفكيك سلسلة التفاعلات التي قد تخرج من تحت ركامها.
لهذا يمكن قراءة المناورة “الإسرائيلية” باعتبارها تدريباً على ارتدادات القرار قبل اتخاذه، وربما مظلة عملياتية تسمح برفع الانتشار وتحريك القوات والطيران والاحتياط ضمن مشهد جاهزية شامل، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنّ قرار الحرب قد اتُّخذ. الأخطر أنّ “إسرائيل” تجمع في لحظة واحدة ثلاثة عناصر شديدة الانفجار: محاولة تغيير الوقائع الميدانية في لبنان، وتهديداً مباشراً لبنية النظام في إيران، وجيشاً يتدرّب بصورة مفاجئة على حرب متعددة الجبهات. وهنا تكمن المعضلة “الإسرائيلية”: تل أبيب تتصرف باعتبارها صاحبة اليد التي ستضغط الزناد، لكنها تتدرّب في الوقت نفسه على اليوم الذي قد تفقد فيه السيطرة على ما يحدث بعد الطلقة الأولى. فإذا كانت علي الطاهر هي الصاعق، فإنّ السؤال لم يعد مَن يستطيع تفجيرها، بل مَن يستطيع منع الانفجار من التحوّل إلى حرب لا تعود خرائطها ولا توقيتها ولا نهايتها ملكاً لـ “إسرائيل”…