kayhan.ir

رمز الخبر: 229679
تأريخ النشر : 2026September09 - 20:34

البرميل تجاوز الـ100$ فمتى يظهر على الشاشة؟

 

ناصر قنديل

 أظهرت أيام الحرب المئتان التي شنّتها أميركا و”إسرائيل” على إيران، أن سعر المئة دولار لبرميل النفط يشكّل محطة مفصليّة في الأسواق العالمية، حيث يتزامن مع بدء تحرّك أسواق الأسهم ومؤشراتها نحو الاضطراب، ومعها تحرّك أسواق الذهب والعملات المشفّرة نزولاً، ما يعني أن الخشية من انهيارات في أسهم الشركات الكبرى في قطاعات حيويّة مثل التقنيات والزراعة والسيارات والذكاء الاصطناعيّ تدفع بأصحاب الأسهم والمحافظ الكبرى إلى الدفاع عن أسعار هذه الأسهم بتسييل أصول مالية أخرى كالذهب والعملات المشفرة، وهذا جرس إنذار الانهيار الكبير، الذي كان سبب الضغط على الرئيس الأميركي دونالد ترامب ثلاث مرات للتراجع عن خيارات التصعيد، في أيار وعشيّة قبول مذكرة التفاهم وفي جولة الثلاثة عشر يوماً في منتصف تموز الماضي.

في 8 أيلول وصل سعر برميل برنت إلى 99 دولاراً قبل أن يعود إلى منطقة 96 و97 دولاراً، بينما سجلت عقود عُمان 104.54 دولارات وبلغ دبي النقدي 105.10 دولارات. أي أن الفارق بين برنت والنفط الماديّ بلغ سبعة إلى ثمانية دولارات للبرميل. وهذا يعني أن القول إن النفط لم يصل إلى المئة لم يعد دقيقاً. بعض أهم خامات التسليم الفعلي تجاوزتها، بينما بقي المؤشر المالي العالمي تحتها. لذلك يجب الكشف عن سبب إبقاء برنت دون المئة وبأي كلفة، والمخزون هو أحد الأماكن التي تظهر فيها هذه الكلفة.

كان الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأميركي في 24 تموز عند 307.65 ملايين برميل، وأصبح في مطلع أيلول نحو 285.4 مليون برميل. أي إن الولايات المتحدة استهلكت قرابة 22.25 مليون برميل خلال نحو ستة أسابيع، بمعدل يقارب 480 ألف برميل يومياً. ووصل الاحتياطي بذلك إلى أدنى مستوياته منذ عقود، رغم الإعلانات الأميركية المتكررة عن مئات ملايين البراميل التي تعبر مضيق هرمز.

بالتوازي تقول وكالة الطاقة الدولية إن المخزونات النفطية العالمية المرصودة انخفضت منذ بداية الحرب حتى نهاية تموز بنحو 410 ملايين برميل، بمعدل يقارب 2.7 مليون برميل يومياً. وهذا الرقم يجيب عن جزء كبير من السؤال. السوق لا تحقق توازنها من الإنتاج الجاري وحده، بل تأكل من نفط أُنتج أمس كي تغطي النقص الموجود اليوم. وهنا تبدأ ساعة الرمل، وإذا استمرّ استنزاف المخزون بمعدل 2.7 مليون برميل يومياً، فإن كل 50 مليون برميل تعطي السوق نحو 18 يوماً ونصف اليوم فقط. ولهذا يصبح المخزون الأميركي مهماً. فإذا استمر معدل السحب الأخير، فإن كل عشرة ملايين برميل إضافية تمنح واشنطن نحو ثلاثة أسابيع فقط. وإذا افترضنا لأغراض الحساب لا التنبؤ أن واشنطن لا تريد النزول كثيراً عن 250 مليون برميل، فإن المسافة من 285.4 مليون إلى هذا المستوى هي 35.4 مليون برميل. وعند سحب 480 ألف برميل يومياً تعادل هذه الكمية نحو 74 يوماً فقط.

في السيناريو الأفضل، يكون العجز العالمي 1.8 مليون برميل يومياً، وهو قريب من تقديرات وكالة الطاقة الدولية للربع الثالث. عندها تكفي مئة مليون برميل لنحو 56 يوماً، وفي السيناريو الحالي الأكثر تشدداً نستخدم معدل استنزاف المخزون الفعلي، أي 2.7 مليون برميل يومياً. عندها تنخفض المدة إلى 37 يوماً لكل مئة مليون برميل. أما إذا توسعت المواجهة وبقي هرمز عند المستويات شديدة الانخفاض، أو امتدّت منطقة الحظر والاشتباك أكثر داخل بحر عُمان، وارتفع العجز إلى أربعة ملايين برميل يومياً، فإن مئة مليون برميل لا تشتري سوى 25 يوماً، وهذا يفسّر لماذا تصبح الأيام أهم من الأسعار.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى. يمكن للولايات المتحدة والدول الصناعيّة أن تمنع النفط لبعض الوقت من القفز إلى 110 أو 120 دولاراً عن طريق ضخّ المخزون. لكنّها كلما فعلت ذلك قلّصت قدرتها على مواجهة الصدمة التالية. لذلك فإنّ المئة دولار ليست مجرد حاجز نفسيّ. عندما اقترب برنت منها مجدّداً تحرّكت الأسهم والعوائد وتوقعات التضخم، لأنّ الأسواق تعرف أن استقرار النفط فوق هذه المنطقة يُعيد تسعير كلفة الإنتاج والنقل والطاقة، ويضغط هوامش أرباح الشركات، ويعيد الفائدة المرتفعة إلى قلب الحسابات. ومن هنا ينبغي قراءة الفرق الحالي بين برنت والنفط المادي. عندما يقول عُمان ودبي 104 و105 دولارات بينما تقول شاشة برنت 96 أو 97، فالسؤال ليس أيّهما السعر الصحيح. كلاهما صحيح. لكن الفارق يقول إن البرميل المطلوب للتسليم الآن أغلى مما توحي به الصورة التي يقدّمها المؤشر المالي. وهذا يجعل الأيام المقبلة اختباراً للمخزون أكثر مما هي اختبار للسعر.

فإذا تحسّنت حركة هرمز واستعادت عدة ملايين من البراميل يومياً، تستطيع ساعة الرمل أن تتباطأ ويستطيع برنت الابتعاد عن المئة. أما إذا بقيت التدفقات منخفضة واستمرّت المخزونات الأميركية والعالمية بالتراجع، فلن يكون السؤال متى يلامس برنت المئة، فقد أصبح على بعد سنتات منها وبلغ النفط الماديّ ما فوقها. والسؤال سيكون كم مليون برميل من المخزون يجب أن يُستهلك كل أسبوع كي يبقى الرقم 100 غائباً عن شاشة برنت؟ وعندما تصبح كلفة منع ظهور الرقم أعلى من كلفة ظهوره، تنتهي وظيفة المخزون كسدّ أمام السعر.

عندها لا يعود السؤال كيف وصل البرميل إلى المئة. السؤال الذي بدأ العدّ التنازليّ للإجابة عنه هو إلى متى يستطيعون تأجيل إعلان أن المئة أصبحت السعر الجديد، وكم من ملايين براميل المخزون يحتمل الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يخسر بانتظار أن تنهار إيران قبل بلوغ اللحظة الحرجة التي يأمر بها بوقف الاستنزاف من المخزون وينتقل إلى جبهة السياسة لفتح المضيق؟

captcha