ثلاثة أسئلة بانتظار أجوبة من السلطة
ناصر قنديل
بعيداً عن النقاش المستهلك حول جدوى المقاومة وجدوى التفاوض، وبعيداً عن الخطاب العقيم الذي يختصر كل اعتراض بسؤال «ما هو البديل؟»، ثم يرفع شعار «التفاوض خيار استراتيجي» كأنه جواب عن كل شيء، هناك ثلاثة أسئلة سياسية مباشرة وراهنة تستحق أجوبة واضحة من السلطة اللبنانية. والأسئلة لا تستدعي نموذج هانوي كي تطلب من السلطة محاكاته، ولا تفترض من السلطة أن تتبنّى خيار المقاومة، بل تستند إلى المثال السوريّ الذي يمثل، في الخيارات الاستراتيجية الإقليمية، نموذجاً أقرب إلى سايغون، حكومة تقف بالكامل تحت المظلة الأميركية، أخرجت من خطابها وممارستها كل ما يمكن أن تعتبره “إسرائيل” مصدر إزعاج، ولا توجد على أرضها مقاومة مسلحة تشكل تهديداً لـ”إسرائيل” أو ذريعة مفترضة لاحتلالها واعتداءاتها.
تصرّ السلطة اللبنانيّة على تسويق معادلة بسيطة قوامها أن تسليم الدولة سلاح المقاومة سوف يحسن أوراقها التفاوضيّة، ويسقط الذريعة الإسرائيلية، ويصبح الانسحاب ووقف الاعتداءات نتيجة شبه تلقائية. لكن التجربة السورية القائمة أمامنا تقول العكس. ففي سورية لا توجد مقاومة مسلّحة ضد الاحتلال الإسرائيلي ولا سلاحٌ يشبه سلاح المقاومة في لبنان، والحكومة السورية الجديدة اختارت منذ البداية عدم الدخول في مواجهة مع “إسرائيل”، وانخرطت في مسار تفاوضي برعاية أميركية. ومع ذلك لم تنسحب “إسرائيل” من الأراضي التي احتلتها، ولم تتوقف غاراتها، ولم تتخلّ عن رؤيتها الأمنية المستندة إلى بقاء الاحتلال، بل توسعت في بناء وقائع ميدانية ومناطق نفوذ وشروط تتصل بحرية عملها العسكري. وإذا كان السلاح هو سبب الاحتلال، لماذا يستمرّ الاحتلال حيث لا يوجد هذا السلاح؟
إذا كانت المقاومة هي سبب الاعتداءات، لماذا تتواصل الاعتداءات حيث لا توجد مقاومة؟ وكيف يستقيم الكلام عن اعتبار تسليم السلاح طريقاً لوقف الاعتداءات وإنهاء الاحتلال؟ فهل تحترم السلطة عقول اللبنانيّين وتتوقف عن الترويج لمعادلة لم تعد تمثل سوى كذبة سمجة لا يصدقها عاقل؟ والمطلوب ليس جواباً أيديولوجياً عن المقاومة، بل تفسير سياسيّ لهذه الواقعة. لأن المثال السوري يسقط، على الأقل، الادعاء بأن هناك علاقة سببية تلقائية بين تسليم السلاح وبين الانسحاب ووقف العدوان. قد تختار السلطة المطالبة بالسلاح لأسباب أخرى، لكن عليها ألا تبيع اللبنانيين وهماً ملفقاً.
السؤال الثاني أشدّ إحراجاً، وهو يدور على أرضية اعتبار التفاوض خياراً استراتيجياً، عندما ننتقل إلى مضمون التفاوض نفسه. فهناك بنود عُرضت على الجانب السوريّ ولم يقبل بها ويفسّر عدم التوصل إلى اتفاق مع “إسرائيل” بعدم قبوله بهذه البنود التي قبلت بها السلطة اللبنانية ولذلك ولد اتفاق 26 حزيران. ومن بينها وفي طليعتها استبدال الانسحاب بإعادة الانتشار؛ انطلاقاً من إدراك أن الفرق ليس لغوياً، كما نقل عن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في شرحه للرئيس الأميركي دونالد ترامب على هامش قمة الناتو في أنقرة سبب عدم التوصل إلى اتفاق مع “إسرائيل”. ومنها تعليق أو وقف الملاحقات القانونية في المحاكم الدولية والهيئات الأممية. ومنها منح الاحتلال حق ربط بقائه بمطالب تتصل بشؤون سورية داخلية يوجهها إلى الحكومة السورية، وربط عودة السكان والإعمار وتحريك الحياة الطبيعية بتنفيذ هذه المطالب.
إذا كانت السلطة السوريّة، وهي الحريصة على العلاقة مع واشنطن والتي لا تحمل مشروع مواجهة مع “إسرائيل”، لم تجد موجباً لتوقيع اتفاق بهذه الشروط، فلماذا اعتبرتها السلطة اللبنانية مكاسب تستحق القبول؟ والسؤال هنا ليس لماذا لم تتصرّف بيروت مثل دمشق في كل شيء، بل لماذا كان سقف التفاوض اللبناني أدنى من سقف حكومة لا يمكن اتهامها بأنها تتبنى المقاومة أو محوراً مناهضاً للولايات المتحدة؟
نصل هنا إلى السؤال الثالث، فكلما قيل إن المسار الحالي لا يحقق انسحاباً ولا يوقف الاعتداءات، يأتي السؤال الجاهز: وما البديل؟ والبديل ليس بالضرورة إعلان الحرب، ولا الانقلاب على السياسة الخارجية للدولة. أمام السلطة اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2024، ويمكنها العودة إليه باعتباره المرجعية المقبولة، وإذا كان هذا فوق طاقتها فلتفعل ما فعلته وتفعله الحكومة السورية: الامتناع عن توقيع اتفاق أو الانسحاب من الاتفاق الموقع. ويمكنها، ببساطة، أن تتوقف عن التفاوض عندما يتحوّل التفاوض إلى عملية مفتوحة بلا تقدّم، وأن تقول: عندما يظهر عرض يحقق الانسحاب والسيادة ووقف الاعتداءات نعود إلى الطاولة. وهذا تحديداً ما يقدّمه المثال السوري.
دمشق لم توقع الاتفاق المطروح، ولم تجعل استمرار التفاوض إلى ما لا نهاية واجباً يومياً لإثبات حسن السلوك أمام واشنطن. ومع ذلك لم تنهَر علاقتها بالولايات المتحدة، ولم تتحقق النبوءة التي تُستخدم في لبنان لتخويف كل من يقترح التوقف عن المسار العقيم. بل إن واشنطن مضت في خطوات الانفتاح على سورية، بما فيها معالجة ملف إدراجها على لائحة الدول الراعية للإرهاب، رغم عدم توقيع دمشق الاتفاق مع “إسرائيل” وعدم المواظبة على المسار التفاوضي بالشكل الذي يُقال للبنانيين إنه شرط لا غنى عنه لتجنب الغضب الأميركي.
والسؤال الرابع الذي تفرضه الأسئلة الثلاثة هو: إذا استطاعت سورية الواقعة تحت المظلة الأميركية أن تقول “لا” لاتفاق لا يناسبها، فلماذا لا يستطيع لبنان؟ ولا أحد يطلب من السلطة أن تصبح مقاومة، ولا أن تختار هانوي بدلاً من سايغون. إنها تطلب منها شيئاً أبسط: أن تكون سايغون لكن مع بعض الاحترام والكرامة. إذا كان النموذج الذي تعتبره واشنطن و”إسرائيل” الأكثر اعتدالاً في المنطقة لا يثبت أن غياب المقاومة ينهي الاحتلال، ولا يقبل بكل ما قبله لبنان، ولا يعتبر استمرار التفاوض واجباً مهما كانت نتائجه، فعلى السلطة اللبنانية أن تشرح للبنانيين لماذا تطلب منهم تقديم تنازلات أكبر مقابل ضمانات أقل.