kayhan.ir

رمز الخبر: 229555
تأريخ النشر : 2026September07 - 20:31

«إسرائيل» توسّع النار في لبنان: من «حرية الحركة» إلى حافة الانفجار الكبير

 

عباس المعلم

 صعّدت “إسرائيل” من وتيرة عملياتها في جنوب لبنان، في تطور يبدو أبعد من مجرد ارتفاعٍ عددي في الغارات، وأقرب إلى محاولة توسيع تدريجي للجغرافيا التي تمنح نفسها حق العمل العسكري داخلها. فالإنذار الذي وُجّه إلى بلدة عرب صاليم في قضاء النبطية، وما أعقبه من استهدافات، بالتوازي مع رفع منسوب الغارات على مدينة النبطية والنبطية الفوقا، يوحي بأنّ تل أبيب تختبر عملياً حدوداً جديدة لما تسمّيه «حرية الحركة»، وتدفع بها خارج نطاق ما سبق أن قدّمته بوصفه منطقة أمنية عازلة. وإذا استمرّ هذا النسق، فإنّ المسألة لن تعود مرتبطة بضربة هنا أو اغتيال هناك، بل بمحاولة تثبيت واقع ميداني جديد تصبح فيه الضربة “الإسرائيلية” أوسع جغرافيا وأكثر مرونة في اختيار الأهداف والتوقيت.

بهذا المعنى، تبدو “إسرائيل” كأنها تحاول استعادة جزء من قواعد المرحلة التي سبقت الثاني من آذار، حين كانت مساحة القصف والاغتيال أوسع وأقلّ تقيّداً. والأكثر دلالة أنّ حركة النار بدأت ترسم ما يشبه قوس اشتباك جديد يمتدّ من علي الطاهر والدبشة، مروراً بجبل الرفيع، وصولاً إلى الريحان؛ أيّ إلى المنطقة الجغرافية الحساسة التي تتداخل عندها تخوم الجنوب مع البقاع الغربي. وهذه ليست جغرافيا عابرة في الحساب العسكري، لأنّ توسيع نطاق العمليات إليها يعني الانتقال من إدارة نقاط احتكاك محددة إلى محاولة إعادة تشكيل عمق الميدان نفسه، وفرض حزام عمليات بالنار لا يحتاج بالضرورة إلى احتلال بري مباشر كي ينتج مفاعيله الأمنية والعسكرية.

ضمن هذه الصورة، يبدو بنيامين نتنياهو وكأنه يسابق الزمن لرفع سقف الضغط على لبنان، وربما لاستدراج جولة عسكرية واسعة تبقى، في الحساب “الإسرائيلي”، تحت عتبة الحرب الشاملة: عملية يمكن أن تشمل مئات الأهداف في الجنوب والبقاع والضاحية إذا أتاحت الظروف السياسية والعسكرية ذلك، مستفيداً من انشغال إيران العميق بمواجهة الحصار والضغط والعدوان الأميركي المباشر. لكن المشكلة في هذا التصور أنّ قرار بدء العملية شيء، والقدرة على تحديد شكل نهايتها شيء آخر تماماً؛ فالحروب لا تبقى دائماً داخل الحدود التي يرسمها مخططوها على الخرائط، وخصوصاً عندما تكون الجبهة المقابلة قادرة على توسيع بنك أهدافها وإيقاعها الناري.

وهنا تقع المعضلة “الإسرائيلية” الأساسية: تستطيع “إسرائيل” اتخاذ قرار بتوسيع الهجوم على لبنان في أيّ لحظة، لكنها لا تستطيع بالسهولة نفسها ضمان شكل ردّ حزب الله أو حجمه أو توقيته. فحتى صلية مركبة ومحدودة نسبياً من الصواريخ والمُسيّرات باتجاه المستوطنات الحدودية ومناطق الشمال وصولاً إلى محيط حيفا يمكن أن تعيد، ولو مؤقتاً، إنتاج مشهد التعطيل والإخلاء وإرباك الحياة المدنية، في وقت عملت فيه “إسرائيل” على إعادة الحياة الطبيعية والتعليم الحضوري وتشجيع سكان الشمال على العودة. وبذلك تصبح المسألة بالنسبة إلى تل أبيب معادلة كلفة لا معادلة قدرة: ليست المشكلة في إمكان توجيه الضربة الأولى، بل في الثمن الذي قد يترتب على الضربة الثانية وما بعدها.

ومن هنا يصبح الحديث عن «عملية محدودة» شديد الالتباس. فمن يضمن أن تبقى جولة تبدأ في الجنوب محصورة عشرة أيام أو أسبوعين؟ ومن يستطيع مسبقاً منع انتقالها من تبادل محسوب للنيران إلى مواجهة تتسع جغرافياً وعملياتياً؟ والأهمّ: ماذا يحدث إذا تزامن اشتعال الجبهة اللبنانية مع اضطرابات في الضفة الغربية، أو عودة التصعيد في غزة، أو انتقال الاحتكاك الأميركي ـ الإيراني مجدّداً إلى مستوى أكثر مباشرة؟ عندها لا تعود “إسرائيل” أمام جبهة لبنانية منفردة، بل أمام احتمال تراكب ساحات متعددة، بما يرفع بصورة كبيرة كلفة إدارة التصعيد ويقلّص القدرة على التحكم بمساره.

وتبرز هنا عقدة واشنطن. فإذا كانت إدارة ترامب تعمل على تسريع إقفال أو احتواء الملفات المفتوحة، من لبنان وسورية وغزة وصولاً إلى إيران، فإنّ السؤال لا يتعلق فقط بما يريده نتنياهو، بل بما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لمنحه هامشاً لفتح جولة جديدة قد تنسف مسار الاحتواء الذي تحاول بناءه. فالعملية الإسرائيلية، إذا تجاوزت حدوداً معينة، قد لا تبقى أداة ضغط لتحسين شروط التسويات، بل تتحوّل إلى عامل يعيد خلط الأوراق ويفتح الجبهات التي تسعى واشنطن إلى ضبطها.

الخلاصة: الأخطر في المشهد الحالي ليس أنّ قرار الحرب الشاملة قد اتُخذ بالضرورة، بل أنّ المسافة الفاصلة بين «الضغط العسكري المحسوب» والانفجار غير المحسوب آخذة في التقلص. “إسرائيل” تحاول توسيع مجال حركتها من دون دفع كلفة الحرب، فيما يصبح الطرف المقابل أمام اختبار متزايد لحدود الصبر والردع. وهنا تكمن المفارقة: كلما حاول نتنياهو الاقتراب من حافة الحرب للحصول على نتائج سياسية من دون خوضها، ارتفع احتمال أن تصبح الحافة نفسها نقطة السقوط فيها. وفي الشرق الأوسط، لا تبدأ الحروب الكبرى دائماً بقرار كبير؛ أحياناً تبدأ بسلسلة قرارات صغيرة، يعتقد كلّ طرف أنه ما زال قادراً على إيقافها، إلى أن يكتشف الجميع أن الميدان سبق السياسة وأنّ العودة إلى الوراء أصبحت أكثر كلفة من الذهاب إلى الأمام.

captcha