kayhan.ir

رمز الخبر: 229554
تأريخ النشر : 2026September07 - 20:31

علي الطاهر وتناقضات الرواية الإسرائيلية؟

 

منذ بدء العمليات الإسرائيلية باتجاه مرتفعات علي الطاهر، لم تتوقف “إسرائيل” عن إصدار روايات متناقضة؛ مرة تتحدّث عن تقدم وعمليات تكتيكية، ومرة عن سيطرة عملياتيّة، ثم يعلن وزير الحرب يسرائيل كاتس اكتمال المنطقة العازلة مع إدراج علي الطاهر ضمنها، قبل أن تظهر أخبار عن مغادرة الموقع أو الانكفاء إلى خط أضيق. وفي الوقت نفسه لا تزال المرتفعات تتعرّض للقصف. وبين هذه الإعلانات لا تظهر حقيقة السيطرة، بل تظهر محاولة تغطية تعثر ميدانيّ بلغة تحتمل أكثر من تفسير.

في قراءة الأخبار العسكرية، يجب التمييز بين أربعة مفاهيم: الوصول بالنار، والدخول المؤقت، والسيطرة العملياتية، والاحتلال المستقر. تستطيع قوة عسكرية قصف تلة ومراقبتها بالطائرات المسيّرة ومنع الحركة المكشوفة فوقها، فتقول إنها تسيطر عليها «بالنار». وقد تنفذ وحدات خاصة توغلاً محدوداً ثم انسحاباً، فتصف العملية بأنها دخول. أما السيطرة الفعلية فتحتاج إلى تمركز ثابت، وتأمين خطوط الإمداد، ومنع الخصم من العمل فوق الأرض وتحتها، والقدرة على البقاء من دون الحاجة إلى تكرار المعركة كل يوم.

الرواية الإسرائيلية حاولت دمج هذه المستويات في كلمة واحدة هي «السيطرة». عندما أعلن كاتس اكتمال المنطقة العازلة مع علي الطاهر، أراد إنتاج نتيجة سياسية قبل اكتمالها ميدانياً: إسرائيل تقدّمت، أنجزت مهمتها، وأقامت واقعاً أمنياً جديداً. لكن الحديث اللاحق عن العودة إلى خط أضيق يقول إن السيطرة المعلنة لم تكن مستقرة. فالجيش الذي يسيطر لا يتخلى مجاناً عن الأرض التي دفع ثمناً للوصول إليها، ولا ينسحب لأنه اكتشف فجأة أنه أرفع أخلاقاً من احتلال أرض الغير بينما تقوم نظريته الأمنية على بقاء هذا الاحتلال. في الحرب لا توجد جوائز مجانية، وكل انسحاب ميداني له سبب يتعلق بالكلفة أو صعوبة الحماية أو خطر الاستنزاف.

القول إن القوات «غادرت» علي الطاهر يحتاج أولاً إلى إثبات أنها دخلت وسيطرت. إذا لم تظهر مواقع ثابتة أو تحصينات أو طرق إمداد أو صور موثقة للتمركز، تصبح كلمة «غادرت» وسيلة لغوية لتثبيت واقعة دخول لم تُثبت أصلاً. كأن الرواية تقول: لقد كنا هناك ثم اخترنا الانسحاب، بدلاً من الاعتراف بأن التقدم توقف عند حدود الاقتحامات المؤقتة والسيطرة بالنار.

منذ اليوم الأول للتقدّم نحو التلة، لم تتوقف العمليات التكتيكية. الغارات والمسيّرات وإلقاء المواد المتفجرة والقصف المدفعي ليست دليلاً تلقائياً على السيطرة، بل قد تكون دليلاً على العكس. الموقع المحسوم لا يحتاج إلى حملة نارية متجددة لإثبات أنه محسوم. وتكرار القصف يعني أن “إسرائيل” لا تزال ترى في التلة أو محيطها تهديداً، أو أنها لم تتمكن من التحقق من الأنفاق والمواقع تحت الأرض، أو أنها تريد منع المقاومة من إعادة الظهور فوق المرتفعات.

هنا يقع الفارق بين السيطرة على سطح التلة والسيطرة على بنيتها القتالية. تستطيع قوة متفوقة جوياً احتلال نقاط مكشوفة ساعات أو أياماً، لكنها لا تستطيع إعلان إنهاء المهمة ما لم تتأكد من شبكة الأنفاق والممرات ومخازن السلاح ونقاط الرصد. وإذا بقيت هذه البنية مجهولة أو قابلة للعمل، تتحول القوة المتمركزة فوق التلة إلى هدف، ويصبح الانسحاب إلى خط أضيق إجراءً لتقليل الخسائر، لا تعبيراً عن إنجاز مكتمل.

وراء التناقض الإسرائيلي حساب سياسي أيضاً. يحتاج كاتس ونتنياهو إلى القول إن الجيش حقق إنجازاً يبرر الخسائر ويطمئن مستوطني الشمال. لكن القيادة العسكرية تعرف أن تثبيت احتلال فوق مرتفعات معزولة قد يفتح حرب استنزاف يصعب ضبطها. كما أن اقتحام علي الطاهر بصورة واسعة قد يدفع المقاومة إلى اعتبار وقف النار منتهياً وإعادة مستوطنات الشمال إلى دائرة النار، مع احتمال توسّع المواجهة ودخول إيران على خط الرد، بحيث يصبح الحديث عن زوال التهديد، كما فعل نتنياهو، الخيار الأمثل.

وتزداد حساسية هذا الاحتمال عشية الانتخابات الإسرائيلية. الحكومة التي تقدم العملية انتصاراً قد تجد نفسها أمام نتيجة معاكسة: نزوح جديد من الشمال، صواريخ على المستوطنات، وحاجة متزايدة إلى صواريخ «حيتس» و«ثاد» و«باتريوت» في وقت تعاني فيه المخزونات الدفاعية ضغطاً متراكماً. لذلك تشجع السياسة خطاب السيطرة، فيما يفرض الميدان لغة «العمليات المحدودة» و«إعادة التموضع» و«الخطوط الأضيق».

لا تسمح الوقائع المتاحة بالقول إن “إسرائيل” لم تصل مطلقاً إلى أي نقطة في المرتفعات، كما لا تسمح بالقول إنها فرضت احتلالاً مستقراً. الصيغة الأدق هي أن “إسرائيل” حققت قدرة نارية واسعة، ونفذت توغلات وعمليات تكتيكيكية، وربما فرضت سيطرة مؤقتة على نقاط سطحية، لكنها لم تقدم دليلاً على حسم التلة أو السيطرة على بنيتها تحت الأرض، ولذلك اضطرت إلى تقليص خط وجودها بسبب كلفة التثبيت ومخاطره.

الخلاصة أن حرب الروايات حول علي الطاهر جزء من المعركة نفسها. إعلان السيطرة يستهدف الجمهور الإسرائيلي، والحديث عن المغادرة يحاول تفسير غياب التمركز، واستمرار القصف يكشف أن الهدف لم يُحسم. لذلك لا تقول الأخبار المتضاربة إن “إسرائيل” احتلت ثم انسحبت طوعاً؛ إنها تقول إن ما سُمّي سيطرة كان أضيق من الاحتلال وأقل من الحسم، وإن معركة علي الطاهر لا تزال مفتوحة بين تفوّق النار الإسرائيلي وصعوبة تحويله إلى سيطرة ثابتة على الأرض. المقاومة تكتفي بتقديم روايتها من بين ثقوب الروايات الإسرائيلية وتناقضاتها.

البناء

captcha