من علي الطاهر الى «المنطقة الرمادية»: بين وهم النصر والخروج من الاستنزاف
حسن حردان
تتواصل التغطيات والتحليلات “الإسرائيلية” لمتابعة التطورات الميدانية في جنوب لبنان، وتحديداً المعارك المرتبطة بالسيطرة على مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية ومفهوم “المنطقة الرمادية” الذي أفرزته خطط إعادة الانتشار الجديدة لجيش الاحتلال “الإسرائيلي”.
هذا التحوّل العسكري يضع المراقبين أمام تساؤلات عميقة حول ما إذا كان فعلاً يشكل إنجازاً استراتيجياً حقيقياً، أم مجرد مناورة تكتيكية لتسويق صورة النصر للرأي العام وتجنب مستنقع الاستنزاف.
أولاً: بين التسويق السياسي والاستنزاف الميداني
تتنوّع القراءات داخل الدوائر “الإسرائيلية” لطبيعة هذه التغيّرات الميدانية. يرى معارضو حكومة نتنياهو والقيادة العسكرية أنّ تضخيم السيطرة على النقاط الحاكمة مثل علي الطاهر وإلباسها مصطلحات مبهمة كالمنطقة الرمادية، يهدف أساساً إلى إقناع الشارع “الإسرائيلي” بتحقيق إنجاز وهمي لإنهاء كابوس الجبهة الشمالية. ويشير هؤلاء المحللون إلى أنّ التراجع الجزئي تحت غطاء حرية الحركة النارية يعكس هروباً من كلفة الثبات البشري الباهظ وصعوبة التمركز الدائم في القرى اللبنانية المدمرة تحت ضربات المقاومة المستمرة، مما يجعل الخروج الرمادي مخرجاً لحفظ ماء الوجه.
ثانياً: عقيدة السيطرة النارية وبراغماتية إعادة الانتشار
في المقابل، تدافع الدوائر المقرّبة من المؤسسة الأمنية “الإسرائيلية” عن مفهوم “المنطقة الرمادية” باعتباره تحوّلاً عقيدياً براغماتياً يستعيض عن الاحتلال التقليدي المباشر بإقامة نطاق جغرافي يفرض فيه العدو سيطرة نارية واستخبارية. ويعتقد هذا التيار أنّ الإبقاء على يد دافعة ومبادرة عبر المرتفعات الحاكمة يغني عن التواجد البشري الكثيف، ويمنع عودة البنى التحتية للمقاومة دون التورط في إدارة مستنقع مدني وميداني طويل الأمد.
ثالثاً: الخلاصات الأساسية
بناء على ما تقدّم يمكن تسجيل الخلاصات الآتية:
1 ـ تمثل السيطرة على المرتفعات الحاكمة محاولة “إسرائيلية” مزدوجة لتوسيع نطاق الضغط الميداني وتأمين العمق الحدودي عبر الرصد والنار.
2 ـ يعكس طرح “المنطقة الرمادية” تسوية عملية بين رغبة المستوى السياسي في إعلان النصر المطلق، لتوظيفه من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في حملته الانتخابية، وحاجة جيش الاحتلال الواقعية للحدّ من نزيف الخسائر البشرية والمادية.
3 ـ تشهد المنطقة حالة اشتباك مستمرة تواجه فيها الخطط النظرية لجيش الاحتلال مصاعب كبيرة على الأرض، بفعل المقاومة المستمرة والردود الميدانية المتبادلة.
4 ـ يظلّ الخط الرمادي أداة ضغط نارية أكثر منه مكسباً سياسياً أو جغرافياً مستداماً، مما يجعله محطة مؤقتة في صراع مفتوح على قواعد الاشتباك في جنوب لبنان.