اتفاق الاستحالة يترنّح… والحلّ يحتاج سلّم نزول أميركي عن الشجرة
– وضعت المقاومة كلاً من السلطة اللبنانية وكيان الاحتلال، بصفتهما طرفي اتفاق إنهاء حالة العداء والحرب، أمام معادلة استحالة لم يعد ممكناً الهروب من استحقاقاتها. فقد ربط الاتفاق كل مندرجاته، من الانسحاب الذي استُبدل به تعبير «إعادة الانتشار»، إلى عودة السكان وإطلاق إعادة الإعمار، بشرط واحد هو تسليم المقاومة سلاحها. والمقاومة أعلنت أنها لن تسلّم السلاح، بينما لا تملك السلطة القدرة على انتزاعه بالقوة، ولا تملك إسرائيل القدرة على تحقيق هذا الهدف عسكرياً، إلا عبر احتلال لبنان كله، كما قال رئيس أركان جيش الاحتلال نفسه.
– هذه هي العقدة الأصلية التي لا يغير فيها أي إنجاز تكتيكي إسرائيلي، سواء في علي الطاهر أو في سواها، شيئاً من جوهر المأزق. تستطيع “إسرائيل” احتلال تلة، أو تحقيق سيطرة عملياتية على منطقة، أو تدمير منشأة وإعلان قتل عدد من المقاتلين، لكنها لا تستطيع تحويل هذه الإنجازات الموضعية إلى معادلة سياسية تنتهي بنزع سلاح المقاومة. وكل ما تفعله هذه العمليات هو زيادة إحراج السلطة اللبنانية، بوصفها شريكاً في اتفاق يفترض أنه جاء لوقف الحرب، واستعادة الأرض، وإعادة السكان، وإطلاق الإعمار، فإذا به يتحول إلى مظلة لاستمرار الاعتداءات والاحتلال والتهجير.
– لقد قيل للبنانيين إن توقيع الاتفاق يفتح الباب أمام استعادة السيادة، وإن تقديم الخطوات المطلوبة من لبنان يؤدي إلى سحب الذرائع من “إسرائيل”. لكن ما حدث هو العكس؛ تراجعت أولوية الانسحاب لمصلحة شعار “لن ننسحب”، وصارت عودة السكان مرتبطة بشروط أمنية إسرائيلية، وأُخضع الإعمار للابتزاز السياسي، بينما تواصلت الاعتداءات واتسعت المنطقة التي تتحرّك فيها قوات الاحتلال. وبذلك انتقل الاتفاق من كونه وسيلة لإنهاء الحرب إلى أداة لجعل الحقوق اللبنانية مكافأة مشروطة بنزع السلاح، حتى الإفراج عن مختطفين لبنانيين أُريد منه إنعاش الاتفاق تجميلياً أعقبه فوراً اختطاف أربعة بدلاً منهم.
– أما نظريّة «سحب الذرائع»، فلم تعد تحرج المقاومة ولا بيئتها ولا تستطيع إقناع أحد، لأن المثال السوري يقف أمامها دليلاً لا يقبل النقض. فالدولة السورية الجديدة قدمت لـ”إسرائيل” كل ما طُلب منها تقريباً تحت عنوان تجنب المواجهة؛ لم تطلق النار لتحرير الأرض، ولم تضع مقاومة الاحتلال في صلب خطابها، وانخرطت في مسارات تفاوضية وأمنية، وقبلت عملياً بنظرية سحب الذرائع. ومع ذلك لم ينسحب الاحتلال الحديث من الأراضي التي دخلها، ولم تتوقف الغارات والاعتداءات، فضلاً عن بقاء الجولان المحتلّ. فكيف يمكن إقناع اللبنانيين بأن التخلي عن عناصر القوة والوقوف تحت المظلة الأميركية التي تظلل الحكم الجديد في سورية يؤدي تلقائياً إلى استعادة الأرض ووقف العدوان؟
– لهذا يبدو المسار التفاوضي اللبناني مغلقاً، ويبدو الاتفاق نفسه مترنحاً. فلا السلطة قادرة على تنفيذ الشرط الإسرائيلي، ولا المقاومة مستعدة للانتحار السياسي والعسكري بتسليم سلاحها، ولا “إسرائيل” مستعدة لتنفيذ الانسحاب وعودة السكان والإعمار من دون الحصول على هذا الشرط. وهكذا تجد إسرائيل نفسها أمام خيارين: إما العودة إلى الحرب والسعي إلى حل عسكري، وإما البحث عن مخرج سياسي لا يشترط نزع سلاح المقاومة كي يكون قابلاً للتنفيذ.
– لكن الحل العسكري يتجاوز طاقة “إسرائيل” الفعلية. ولو كان متاحاً، لما ترددت في اعتماده منذ نجاح ضرباتها المؤلمة للمقاومة في أيلول/ سبتمبر 2024. يومها كانت أمام أفضل فرصة عسكرية لتحقيق هدفها، بعدما أصابت البنية القيادية وأحدثت اختراقات أمنية ونارية واسعة. ومع ذلك لم تستطع تحويل التفوق التكتيكي إلى حسم استراتيجي، واضطرت إلى القبول بوقف للنار. وما لم يتحقق في لحظة الذروة الإسرائيلية يصعب تحقيقه اليوم، في ظل استنزاف الذخائر، وتعدد الجبهات، وعودة الضغط الإيراني، وتراجع القدرة الأميركية على تمويل حرب مفتوحة وحمايتها.
– يبقى المخرج الثاني: تسوية لا تجعل نزع السلاح شرطاً للانسحاب وعودة السكان والإعمار، بل تعيد ترتيب المسار من نهايته الطبيعية؛ تنسحب “إسرائيل”، ينتشر الجيش اللبناني، يعود الأهالي، يبدأ الإعمار، ثم يُفتح حوار لبناني داخلي حول استراتيجية دفاعية ومستقبل السلاح، بعيداً عن الإملاء والتهديد.
– غير أن هذا المخرج يحتاج إلى سلّم نزول أميركي عن الشجرة، لا في لبنان وحده، بل في غزة وسورية أيضاً. وربما تكمن هنا الأهمية الفعلية لمذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، لأنها توفر إطاراً إقليمياً يسمح بتسويات مترابطة: وقف الحرب، تنظيم الخلاف، تثبيت الانسحابات، وإعادة الملفات الداخلية إلى أصحابها. من دون هذا التحول سيبقى الاتفاق اللبناني أسير شرط مستحيل، وستبقى “إسرائيل” عاجزة عن الحسم، والسلطة عاجزة عن التنفيذ، فيما تظل المقاومة الطرف الوحيد القادر على الانتظار والصمود، رغم كل الإحراج المفترض بالسؤال عن بديل التفاوض، وهو كما تقول المقاومة العودة إلى اتفاق 2024 الذي كان يحقق المصلحة اللبنانية وانقلبت عليه السلطة لتمنح “إسرائيل” ما كان يزعجها في هذا الاتفاق واستبدلته باتفاق على المقاس الإسرائيلي للاستقواء بالاحتلال أملاً بنزع السلاح.
البناء