ماذا لو سلّمت المقاومة علي الطاهر للجيش اللبناني؟
ناصر قنديل
قبل العملية الإسرائيلية الأخيرة في مرتفعات علي الطاهر، كانت هناك صيغة أميركية إسرائيلية تقترح تسليم المقاومة التلة إلى الجيش اللبناني، باعتبار ذلك بديلاً من اقتحامها بواسطة جيش الاحتلال. وبعد إعلان “إسرائيل” تحقيق «السيطرة العملياتية» على التلة، خرجت أصوات تسأل: ألم يكن أفضل لو سلمتها المقاومة للجيش، فتجنبت المعركة والاحتلال والخسائر؟ السؤال مشروع وجدير بالنقاش، لكن الجواب عنه لا يُبنى على النيات، بل على تجربة تطبيق الصيغة نفسها في مناطق أخرى، وعلى ما كان سيفعله الاحتلال بعد دخول الجيش اللبناني.
الرواية الإسرائيلية تقول إن قوات الاحتلال حققت «سيطرة عملياتية فوق الأرض وتحتها»، وإنها فككت مسارين تحت الأرض وقتلت عدداً من مقاتلي المقاومة، فيما قال بنيامين نتنياهو إن التلة «لم تعد تشكل تهديداً». لكن هذه الرواية تطرح سؤالاً جدّياً: لماذا استخدمت “إسرائيل” تعبير «السيطرة العملياتية» بدلاً من إعلان احتلال التلة؟ فعندما دخل جيش الاحتلال قلعة الشقيف أرنون في أواخر أيار الماضي، أعلن دخوله ورفع العلم الإسرائيلي فوق القلعة. أما في علي الطاهر، فاستخدم تعبيراً تقنياً يحتمل السيطرة النارية، أو التحكم بمحاور الحركة، أو تنفيذ عمليات فوق الأرض وتحتها، من دون أن يثبت بالضرورة احتلالاً كاملاً ودائماً لكل السلسلة.
لنفترض أن المقاومة قبلت الصيغة المقترحة وسلّمت التلة إلى الجيش اللبناني. ماذا كان سيحدث بعد ذلك؟ تقدم تجربة زوطر الغربية جواباً أولياً. فهذه البلدة، وهي أقلّ أهمية عسكرية بكثير من علي الطاهر، لم تدخلها وحدات الجيش نتيجة تسليم متفق عليه مع المقاومة، بل ضمن مفهوم «المناطق التجريبيّة» الذي وضعته “إسرائيل”. وفرض الاحتلال على الجيش شروطاً جوهرها التحقق من تفكيك ما يسمّيه «البنى التحتية لحزب الله»، بما يجعل دخول الجيش خاضعاً لاختبار إسرائيلي مستمرّ، لا تعبيراً كاملاً عن سيادة الدولة اللبنانية.
وفي علي الطاهر، حيث تتحدّث “إسرائيل” عن منشآت تحت الأرض وغرف قيادة ومخازن سلاح لا تُقارَن بزوطر الغربية، كان الاحتلال سيقول إنه لا يثق بما قام به الجيش اللبناني، أو إن الجيش لم يفكّك كل البنى المفترضة، أو إنه لم يتمكن من الوصول إليها. وعندها كان سيقرّر الدخول بنفسه، بذريعة استكمال المهمة التي عجز الجيش عن تنفيذها. فماذا كانت ستفعل السلطة اللبنانيّة؟ هل كانت ستأمر الجيش بمواجهة القوة الإسرائيلية دفاعاً عن موقع تسلّمه؟ أم كانت ستطلب منه الانسحاب تفادياً للمواجهة، تحت شعار عدم تكافؤ القوى والحفاظ على أرواح العسكريين؟
التجارب السابقة تقدّم جواباً. فعندما تقدمت قوات الاحتلال نحو قرى وبلدات جنوبية كانت في عهدة الجيش اللبناني، صدرت الأوامر للجيش بالانسحاب وعدم خوض المواجهة. ولا توجد واقعة تسمح بالاعتقاد أن السلطة كانت ستتصرف بطريقة مختلفة في علي الطاهر، بل إن حساسيّة التلة وخطورة تحول الاشتباك حولها إلى حرب واسعة كانتا ستشكلان ذريعة إضافية لإصدار أمر الانسحاب.
هنا تصبح المقارنة واضحة. إذا كان تعبير «السيطرة العملياتية» يُخفي فشل “إسرائيل” في احتلال التلة احتلالاً كاملاً، فإن تسليم المقاومة الموقع إلى الجيش كان سيسهل احتلاله لاحقاً، بعدما ينسحب الجيش بأمر السلطة عند تقدم القوات الإسرائيلية. أما إذا كانت «السيطرة العملياتية» تعني احتلالاً كاملاً بالفعل، رغم الشكوك الجدّية التي يثيرها اختيار هذا المصطلح، فإنّ المقاومة كانت ستصل عبر التسليم إلى النتيجة نفسها: دخول الجيش أولاً، ثم انسحابه أمام الاحتلال، ثم وقوع التلة في يد “إسرائيل”.
ولم تكن علي الطاهر المحطة الأخيرة. فالاحتلال ينظر إليها بوصفها مدخلاً إلى امتداد جغرافي واستراتيجي يشمل جبل الريحان وجبل صافي وجبل الجرمق وإقليم التفاح. وإذا نجح نموذج التسليم في علي الطاهر، كان سيطالب بتكراره في كل موقع يعتبره امتداداً أمنياً لها. وكانت المقاومة ستوضع في كل مرة أمام السؤال نفسه: تسليم الموقع للجيش لتجنّب الاجتياح، ثم انتظار انسحاب الجيش عندما تقرّر “إسرائيل” الدخول. والنتيجة النهائية تصبح تفكيكاً تدريجياً لخطوط الدفاع، لا بقتال مباشر، بل تحت عنوان تجنيب الجيش والمقاومة المواجهة.
أما عدم التسليم، فقد أبقى الخيارات مفتوحة. فإذا ثبت أن “إسرائيل” احتلت التلة فعلاً، تستطيع المقاومة إعلان سقوط وقف النار والعودة، في توقيتها، إلى استهداف قوات الاحتلال في الأراضي اللبنانية المحتلة، وربما مستوطنات شمال فلسطين المحتلة. كما تستطيع تنسيق توقيتها مع إيران، بما يضع “إسرائيل” أمام احتمال مواجهة أوسع عشية انتخاباتها، وفي ظل أزمة متفاقمة في مخزون الذخائر الدفاعية، وخصوصاً صواريخ الدفاع الجويّ.
وإذا لم يكن الاحتلال كاملاً، بل مجرد سيطرة نارية وعملياتية محدودة، فإن امتناع المقاومة عن التسليم يكون قد حال دون تحويل الضغط العسكري الإسرائيلي إلى احتلال سهل ومكرس بشرعية لبنانية ضمنية. كما أنه منع تدحرج نموذج التسليم من علي الطاهر إلى الريحان وصافي وإقليم التفاح.
الأهم أن عدم التسليم جنّب الجيش اللبناني إساءة كبرى كانت السلطة ستلحقها به، عندما تدعوه إلى دخول موقع تعرف مسبقاً أنّها لن تأمره بالدفاع عنه، ثم تطلب منه الانسحاب إذا تقدم الاحتلال. عندها كان الجيش سيظهر عاجزاً عن حماية أرض تسلمها، فيما المشكلة ليست في شجاعة جنوده أو إرادتهم، بل في القرار السياسي الذي يمنعهم من القتال.
لذلك لم يكن الخيار بين تسليم التلة للجيش وبقائها لبنانية، أو عدم تسليمها واحتلالها إسرائيلياً. الخيار الحقيقي كان بين إبقاء الاحتلال مسؤولاً عن اقتحامه ومواجهاً لاحتمالات المقاومة، وبين تسهيل وصوله إلى التلة بعد إخلائها، ثم تكليف الجيش بدور مؤقت ينتهي بأمر انسحاب. قد لا يكون عدم التسليم ضمانة لمنع الاحتلال، لكنه أبقى الأمور في نصابها: لبنان تحت العدوان والاحتلال، وخيار المقاومة قدر اللبنانيين.