مجموعة العشرين.. انقسامات أكبر من قرار حصار إيران
– جاء اجتماع وزراء المال وحكام المصارف المركزية لدول مجموعة العشرين في آشفيل بولاية كارولينا الشمالية، ليكشف أن المجموعة أقرب إلى منصة مفتوحة لعرض الخلافات ومحاولة إدارتها، منها إلى جبهة سياسية واقتصادية قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة. وقد حاول وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت وضع حصار إيران في صدارة الاجتماع، لكن الانقسامات بين أركان المجموعة بدت أكبر من أن تستوعبها دعوة أميركية إلى تشكيل جبهة مالية موحّدة ضد طهران.
– عرض بيسنت أمام المشاركين ما سمّاه «عملية المنبوذ الاقتصادي»، معلناً استعداد واشنطن لفرض عقوبات جديدة على المصارف المتعاملة مع إيران، واستخدام «العنف المالي» لإجبارها على العودة إلى التفاوض. وتحدّث عن احتمال أن تؤدي الضغوط إلى إضعاف الاقتصاد الإيراني خلال أسابيع أو أشهر. لكن ما أعلنه بقي موقفاً أميركياً، حصل على تأييد أوروبي عام لزيادة الضغط، من دون أن يتحوّل إلى قرار صادر عن مجموعة العشرين أو التزام جماعيّ بآليات تنفيذية محددة.
– العقدة الأولى أمام الخطة الأميركيّة هي الصين. فنجاح أي حصار نفطي على إيران يتوقف على موقف بكين، باعتبارها المشتري الأكبر للنفط الإيراني والشريك التجاري الأهم لطهران. ورغم قول بيسنت إن «كل الخيارات مطروحة» لمعاقبة الجهات الصينية التي تواصل التعامل مع إيران، لم تعلن واشنطن فرض عقوبات على مصرف صيني كبير، لأن خطوة كهذه لا تستهدف إيران وحدها، بل تفتح مواجهة مالية وتجارية مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتعرّض المصالح الأميركية والأسواق العالمية لردود صينية مقابلة.
– أما روسيا أصلاً، فلا يمكن انتظار انضمامها إلى جبهة تقوم على تعميم نظام العقوبات وتستهدف حليفاً استراتيجياً لها. والمفارقة أن مشاركة وزير المال الروسي أنطون سيلوانوف في الاجتماع تحولت إلى سبب إضافي للانقسام. فقد اعترضت ألمانيا ودول أوروبية على عودة روسيا بعد غيابها عن أربعة اجتماعات مالية سابقة، ورفضت التعامل معها كأن العلاقات عادت إلى طبيعتها. ووصل الاعتراض إلى استبعاد الوزير الروسيّ من الصورة الجماعية، بينما أظهرت الاستضافة الأميركية رغبة واشنطن في إعادة فتح قنوات التعامل مع موسكو.
– تطلب الولايات المتحدة من أوروبا الانضمام إلى حملتها ضد إيران، فيما تختلف معها حول كيفية التعامل مع روسيا. وتطلب من الصين وقف شراء النفط الإيراني، بينما تخوض معها صراعاً تجارياً واستراتيجياً واسعاً. كما تطلب من كندا ودول أوروبية التعاون معها، في الوقت الذي تفرض فيه رسوماً جمركية عليها وتهدد مصالحها الاقتصادية. وهذا يجعل إيران بنداً واحداً داخل لائحة طويلة من الخلافات، لا قضية قادرة على توحيد المجموعة.
– الانقسام يمتدّ أيضاً إلى تشخيص أزمة الاقتصاد العالمي. فقد طرح بيسنت النمو وتخفيف القيود وتوسيع دور القطاع الخاص علاجاً لجبل الديون العالمية، داعياً الدول إلى أن «تنمو للخروج من الدين». لكن الولايات المتحدة التي تقدّم تجربتها نموذجاً تجاوز دينها العام أربعين تريليون دولار، وتواجه ارتفاع عائدات سندات الخزانة وكلفة الاقتراض. ولذلك لا تنظر دول كثيرة إلى الوصفة الأميركية باعتبارها حلاً محايداً، بل باعتبارها محاولة لتعميم أولويات الاقتصاد الأميركي.
– من جهته، تحدّث رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش عن انتقال العالم من «فائض المدخرات» إلى «طفرة استثمار»، تقودها استثمارات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والبنية التحتية. غير أن هذه الطفرة نفسها تستقطب الأموال التي كانت تتجه إلى سندات الخزانة، فترفع عائداتها وكلفة تمويل الدين الأميركي. كما أن احتمال بقاء أسعار الفائدة مرتفعة يهدد الدول المثقلة بالديون ويزيد صعوبة إعادة هيكلة ديون الدول النامية، وهي القضية التي تمثل أولوية لهذه الدول أكثر من المشاركة في حصار إيران.
– تضاف إلى ذلك الخلافات حول استقلال المصارف المركزية، وتنظيم الذكاء الاصطناعي، والمخاطر الإلكترونية التي تهدّد النظام المالي، وسياسات الطاقة، وارتفاع أسعار النفط، والرسوم الجمركية، ومعايير إعادة هيكلة الديون. كما أثار عدم توجيه الولايات المتحدة الدعوة إلى جنوب أفريقيا وإسبانيا سؤالاً حول استخدام الدولة المضيفة رئاسة المجموعة لترتيب الحضور وفق حساباتها السياسية.
– قد ينجح الأميركيون في إدخال عبارات عامة إلى البيان الختامي عن أمن الملاحة ومنع الانتشار النووي واستقرار أسواق الطاقة، وربما عن ضرورة عودة إيران إلى التفاوض. لكن الفارق كبير بين العبارة الدبلوماسية والقرار التنفيذي. فالاختبار الحقيقي هو موافقة الصين على وقف شراء النفط الإيراني، وقبول روسيا المشاركة، واستعداد الدول الكبرى لتحمل ارتفاع أسعار النفط والتضخم نتيجة العقوبات الثانوية. ولا تظهر الوقائع استعداداً لذلك.
– خلاصة اجتماع كارولينا أن مجموعة العشرين تعكس تعدّد مراكز القوة أكثر مما تعكس قيادة أميركية موحدة للنظام الاقتصادي العالمي. واشنطن تعرض مطالبها، أوروبا تنتقي منها ما يناسبها، الصين تصغي ولا تلتزم، روسيا تعود رغم الاعتراض، والدول النامية تبحث عن حلول لديونها. إنها غرفة لإدارة التناقضات ومنع انفجارها، وليست غرفة عمليات لحصار إيران. والانقسامات بين أركانها أكبر بكثير من قدرة بيسنت على تحويلها إلى جبهة سياسية واقتصادية موحدة.
البناء