kayhan.ir

رمز الخبر: 229223
تأريخ النشر : 2026September01 - 21:15

نبيه بري بين ثلاثة خطابات: المقاومة

 

ناصر قنديل

 لا تبدو العودة إلى خطابات نبيه برّي في 31 آب من أعوام 1982 و1983 وبمناسبة خطابه عام 2026 مجرد مقارنة بين ثلاث مناسبات لإحياء ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر. إنّها قراءة لمسار سياسيّ كامل بدأ تحت الاحتلال الإسرائيلي المباشر، وانتقل إلى مقاومة الاتفاق الذي أراد شرعنة نتائج الاحتلال، ثم عاد بعد أربعة وأربعين عاماً لمواجهة محاولة جديدة تجمع الاحتلال والاتفاق والضغط على المقاومة في مشروع واحد.

في 31 آب 1982، كان الجيش الإسرائيلي يحتلّ مدينة صور وجزءاً كبيراً من لبنان ويقف على بوابات العاصمة بيروت. وفي المدينة المحتلة، تحوّل إحياء ذكرى الإمام الصدر إلى أول إعلان شعبيّ واسع بأن الاحتلال لن ينجح في تحويل اجتياحه إلى قبول لبنانيّ. خرجت المسيرة التي دعا إليها برّي، ورفعت شعارات تدعو إلى مقاومة الاحتلال «بشتّى الوسائل المتاحة». أما العبارة المركزيّة في موقف برّي فكانت: «لا يمكن أن نكون مع العصر الإسرائيلي الذي حذّرنا منه الإمام الصدر، ولا نركب قطار السلم الإسرائيلي، ولن نهادن ولن نسالم»، وتحوّلت معادلة الإمام الصدر إلى شعار لمهرجان مبايعة جديدة له: “”إسرائيل” شر مطلق والتعامل معها حرام”.

لم يكن خطاب 1982 إعلاناً عن اعتراض سياسي فقط؛ كان تأسيساً لبيئة المقاومة الشعبية والمسلحة. فالاحتلال، في هذا الخطاب، ليس مجرد وجود عسكري يمكن انتظار انسحابه، بل مشروع لإدخال لبنان في «العصر الإسرائيلي». ولذلك تلازم رفض الاحتلال مع رفض السلام الذي يحاول الاحتلال فرضه. قبل توقيع اتفاق 17 أيار بتسعة أشهر، كان بري يضع القاعدة السياسية التي ستُستخدم لإسقاطه: لا شرعيّة لاتفاق يولد في ظل الاحتلال.

أما خطاب 31 آب 1983، فجاء بعد توقيع اتفاق 17 أيار وفي لحظة مواجهة مفتوحة بين السلطة ومعارضي الاتفاق. وفي اليوم نفسه، كان الجيش اللبناني يشنّ عملية واسعة في بيروت الغربية، فيما اتهم بري الولايات المتحدة بتقديم «الدعم والمشاركة بهدف ارتكاب مجزرة بحق بيروت وضواحيها وسكانها». هنا انتقل خطاب برّي من تأسيس مقاومة الاحتلال إلى تأسيس مقاومة النظام السياسي الذي وقّع اتفاقاً معه. لكنه لم يسقط الدولة ولا الجيش كمؤسسة وطنية. الفكرة الأساسيّة كانت التمييز بين الدولة التي يجب الحفاظ عليها والسلطة التي تستخدم المؤسسات لفرض خيار سياسي يخدم الاحتلال. لذلك حافظت حركة أمل، حتى في ذروة الصدام، على موقفها الداعم للجيش كمؤسسة وطنية، مع رفض تحويله إلى أداة في مشروع أميركي – إسرائيلي داخلي.

وهذه نقطة مركزية في المقارنة: بري لم يعتبر اتفاق 17 أيار خطأً دبلوماسياً قابلاً للتعديل، بل رأى فيه الوجه السياسي للاحتلال. المقاومة المسلحة وحدها لا تكفي إذا بقي الاتفاق، لأن الاحتلال يستطيع الانسحاب جزئياً وترك نظام أمني وسياسي يحرس مكاسبه. لذلك شكّل خطاب 1983 جسراً بين المقاومة في الجنوب والانتفاضة السياسية والشعبية التي انتهت في 6 شباط 1984 وأسقطت الاتفاق.

أما في خطاب 31 آب 2026، فقد جمع بري بين معادلتي 1982 و1983. فالاحتلال موجود، لكن الخطر ليس عسكرياً فقط؛ هناك اتفاق إطار، ومفاوضات مباشرة، ومناطق تجريبية، ومحاولة تحويل الجنوب إلى مساحة مقسمة بين شمال النهر وجنوبه، وبين مناطق يسمح لأهلها بالعودة وأخرى تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية. لذلك قال بري إن المرحلة «لا تعطي أحداً حق التصرّف بأي من العناوين السيادية»، سواء تحت اسم اتفاق إطار أو ملحقات سريّة. ورفض الإطاحة بالقرارات الدولية التي تحفظ حق لبنان، مؤكداً أن الجنوب لا يقبل التجزئة، وأن جغرافيته «ليست مناطق تجريبية»، وأنه لن يقبل تحويله إلى منطقة عازلة أو حزام أمني. كما سأل عن حصيلة سبع جولات من التفاوض: اتساع الاحتلال، وازدياد التدمير والشهداء، واستمرار الحرب الإسرائيلية.

في موقفه من السلطة، كان خطاب 2026 شديد الدلالة. بري، بصفته رئيساً لمجلس النواب وشريكاً أساسياً في بنية الدولة، قال عملياً إن السلطة التنفيذية لا تملك تفويضاً للتنازل عن السيادة، ولا عن حق لبنان في مقاضاة “إسرائيل”، ولا لإبرام تفاهمات تحت النار ومن دون إجماع وطني. إنه الموقف نفسه الذي ظهر عام 1983، لكن من داخل أعلى مؤسسة دستورية: الدفاع عن الدولة في مواجهة خيارات السلطة.

وفي موضوع المقاومة، رفض برّي الرواية التي تقول إن المطلوب إسرائيلياً هو سلاح المقاومة وحده. قال إن المطلوب ليس حزب الله ولا سلاحه ولا حركة أمل ولا الطائفة الشيعية، بل الفتنة، وإن المستهدف هو لبنان بوحدته وسلمه الأهلي. وبذلك نقل النقاش من سؤال السلاح منفرداً إلى سؤال وظيفة المشروع الإسرائيلي وكيفية التعامل معه، طارحاً على السلطة السؤال الكبير: هل نريد بناء دولة لبنانية قوية، أم استخدام عنوان السلاح لضرب عناصر القوة وإحداث صدام داخلي؟

قرابة نصف قرن وبري يحافظ على معادلة واحدة بأشكال مختلفة؛ في 1982 رفض الاحتلال وأطلق مقاومته، وفي 1983 رفض اتفاقه وقاد إسقاطه، وفي 2026 رفض الفصل بين الاحتلال والاتفاق والضغط على المقاومة. أما الدولة، فلم تكن في أي من المراحل نقيضاً للمقاومة؛ المطلوب دولة تحمي الجنوب وتدعم الجيش وتحفظ السيادة. وعندما تتخلّى السلطة عن هذه الوظيفة أو توقّع على ما ينتقص منها، تصبح مقاومة قرارها دفاعاً عن الدولة، لا خروجاً عليها.

captcha