kayhan.ir

رمز الخبر: 229154
تأريخ النشر : 2026August31 - 20:48

قانون الإعلام: اغتيالٌ تشريعي لآخر ما تبقّى من حرية لبنان…!؟

 

عباس المعلم

 ليس أخطر ما في قانون الإعلام الذي أقرّه مجلس النواب اللبناني أن تكون بعض مواده قابلةً للتأويل أو الاعتراض، بل أن تأتي ولادته محاطةً بشبهة أعمق: أن تتحوّل صناعة التشريع من ضمانة للحريات إلى هندسةٍ للضبط، ومن حماية المجال العام إلى إعادة ترسيم حدوده بما يلائم السلطة ومراكز النفوذ السياسي والإعلامي. فالقانون الذي يُفترض أن يحرّر الإعلام من الوصاية لا يُقاس بعنوانه ولا بما حُذف منه فقط، بل بمقدار ما يتركه من أبواب للردع والملاحقة والتحكم، وبالطريقة التي صيغ وأُقرّ بها. وعندما تدخل تعديلات جوهرية إلى نص تشريعي في اللحظات الأخيرة، من دون نقاش نيابي وافٍ، وتتقاطع بعض أحكامه مع مصالح مؤسسات نافذة وعلاقاتها المالية والسياسية، يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام قانون ينظم الحرية، أم أمام إعادة توزيع للنفوذ فوق جسدها؟

لبنان لم يكن يوماً دولةً فائضة القوة كي يتنازل بسهولة عن فائض الحرية؛ فالحرية كانت، في جانب كبير من تاريخه الحديث، رأسماله الرمزي وميزته التفاضلية في محيط عربي عانى طويلاً من رقابة الصحف، وتأميم المنابر، وتقديس الحاكم، وتجريم الاعتراض، وتحويل الإعلام من سلطة مساءلة إلى جهاز طاعة. والخشية اليوم أن تنزلق السلطة اللبنانية إلى استعارة شيء من قاموس الأنظمة السلطوية المحيطة: إعلامٌ مقبول ما دام منضبطاً، ورأيٌ مشروع ما دام لا يزعج، ونقدٌ مباح حتى اللحظة التي يقترب فيها من مراكز القوة. إنّ استنساخ منطق «ولي الأمر» في دولة قامت فكرتها، على علاتها، على التعدد والتعارض وحق الاختلاف، ليس تحديثاً للتشريع، بل نكوص سياسي وثقافي عن واحدة من أهمّ خصائص الكيان اللبناني.

والتاريخ لا يترك مجالاً كبيراً للالتباس في هذه المسألة. فمن تجارب الأنظمة الفاشية في أوروبا إلى الدكتاتوريات العسكرية وأنظمة الحزب الواحد، كانت السيطرة على الصحافة والمعلومة من أولى مراحل إحكام القبضة على المجتمع، لأنّ السلطة المطلقة لا تخشى خصماً بقدر ما تخشى روايةً مستقلة تكشفها. وفي الحاضر أيضاً، أثبتت البيئات التي ضُيّق فيها المجال الإعلامي أنّ النتيجة لم تكن «إعلاماً مسؤولاً»، بل فضاءً عاماً أقلّ قدرة على كشف الفساد ومحاسبة المسؤولين وتصحيح أخطاء الدولة. فالصحافة قد تخطئ وتبالغ وتنحاز، وهذه أمراض تعالجها المهنية وحقّ الردّ وقضاء مستقل وقواعد واضحة؛ أما إخضاعها لمنطق الردع السياسي فيحوّل الخطأ الصحافي إلى ذريعة لإخضاع المجال العام بأكمله.

المشكلة، إذاً، تتجاوز قانوناً ومواداً وصياغات؛ إنها تتصل بالسؤال عن لبنان الذي تريده السلطة: لبنان المنبر أم لبنان الصمت؟ لبنان الذي يزعج فيه الصحافي المسؤول، أم لبنان الذي يخشى فيه الصحافي أن يزعجه؟ إنّ حرية الرأي ليست امتيازاً تمنحه الدولة حين ترضى وتسحبه حين تغضب، بل قيدٌ دستوري وأخلاقي على قوّتها، ولا معنى لإعلام لا يستطيع مساءلة الحاكم ومراكز المال والنفوذ. وإذا خسر لبنان هذه المساحة، فلن يكون قد خسر هامشاً إعلامياً فحسب، بل جزءاً من علّة وجوده الثقافية والسياسية؛ لأنّ أخطر ما يمكن أن تفعله سلطة في بلد صغير ومحاصَر بالأزمات ليس أن تفشل في حمايته فقط، بل أن تنتزع منه آخر ما كان يجعله مختلفاً عن محيطه: أن يبقى فيه الصوت أعلى من الخوف، والرأي أقوى من هيبة الحاكم

captcha