kayhan.ir

رمز الخبر: 229027
تأريخ النشر : 2026August28 - 20:16

غزة: من «فك الارتباط» إلى إعادة الارتباط

ليليان عبد الخالق

 عشرون عاماً مرّت على اللحظة التي بدَت فيها غزة قد تخلّصت من المستوطن، حين أخلى الاحتلال كتلة غوش قطيف عام 2005 وقدّم الانسحاب على أنه تنازل تاريخي. اليوم، وبعد أكثر من ألف يوم من الحرب، يعود يسرائيل كاتس إلى الأرض ذاتها، شرقي “الخط الأصفر”، ليعلن ما لم يعد بحاجة إلى تأويل: إقامة ثلاث بؤر استيطانية ذات طابع عسكري وفق نموذج “نوى ناحال”، ذلك النموذج الذي استُخدم تاريخياً كبذرة لمستوطنات كاملة.

لم يعد الحديث عن “وجود أمني مؤقت”، بل عن ما وصفه كاتس نفسه بالانتقال من “سياسة الدخول والخروج” إلى “سياسة الوجود الدائم”. العبارة وحدها كافية لفهم أنّ ما يُطرح ليس إجراءً عسكرياً، بل إعادة تأسيس لمشروع استيطاني أُعلن موته قبل عقدين.

وفي الموازاة، تتسرّب تفاصيل خطة تستهدف إعادة تجميع سكان القطاع داخل ما يُعرف بـ”المنطقة الصفراء”، تحت إشراف “مجلس السلام” الذي دشّنه ترامب مطلع العام، بذريعة “اليوم التالي” و”إعادة الإعمار”. رفح تحديداً رُشّحت لتكون النموذج الأول: مساكن مؤقتة، إدارة تكنوقراطية، ثم توسيع “التجربة” تدريجياً. هذا هو جوهر الترانسفير الحديث؛ لا يأتي بشاحنات ترحيل مكشوفة، بل بمصطلحات إدارية “منطقة تجريبية”، “لجنة تكنوقراط”، “إعادة تنمية”.

و”الخط الأصفر” ذاته، الحدّ الفاصل الذي أعلن كاتس نيّته تثبيت وجود دائم شرقه، هو عينه ما فجّر توتراً مباشراً مع القاهرة أواخر العام الماضي، حين اشترطت مصر لأيّ تهدئة تنفيذاً دقيقاً لاتفاق غزة ووقف “العرقلة بأسباب واهية”.

رئيس حماس نفسه اضطر إلى نفي علني: “لا هجرة من غزة إلى مصر”، وهو نفي لا يصدر إلا رداً على ضغط فعلي، لا افتراضي. فكلّ خطة لإعادة تجميع سكان غزة في الجنوب، وإنْ لم تُسمَّ ترانسفير صراحة، تبقى بالضرورة اختباراً لصبر القاهرة وحدودها في آن.

الكاتب “الإسرائيلي” جدعون ليفي، من داخل المؤسسة الإعلامية “الإسرائيلية” نفسها، كتب في “هآرتس” ما يُغني عن عشرات التحليلات العربية: أنّ “إسرائيل” لم تعد “دولة فصل عنصري” فحسب، بل باتت “دولة ترانسفير”، وأنّ ما يجري في سلوان والضفة وغزة ليس حوادث متفرقة بل مشروع سياسي واحد يستهدف إفراغ الأرض من أهلها. حين يقول “الإسرائيلي” هذا عن دولته، لا يبقى للمدافعين عن رواية “الصدفة الأمنية” أيّ غطاء.

وفي الضفة، لا يقلّ المشهد وضوحاً: مشروع E1 يتقدّم بعطاءات فعلية لبناء أكثر من ألف ومئتي وحدة استيطانية شرقي القدس، في خطوة تُنهي عملياً أيّ تواصل جغرافي بين شمال الضفة وجنوبها. المفارقة أنّ كلّ هذا يجري بينما تنشغل العواصم بترتيبات “اليوم التالي” و”لجان الإدارة الانتقالية”، وكأنّ غزة والضفة ملفّان إداريان لا قضية شعب مهدَّد بالاقتلاع.

القارئ العربي لم يعد بحاجة إلى وثيقة استخبارية مسرّبة ليعرف أنّ “خيارات معالجة السكان المدنيين في غزة” التي كتبتها وزارة الاستخبارات الإسرائيلية عام 2023 لم تُدفن، بل تُنفَّذ على مراحل، بلغة أكثر نعومة وأدوات أكثر تعدداً: بؤر عسكرية بدل مستوطنات صريحة، “مناطق تجريبية” بدل الترحيل المباشر، ومجالس دولية بدل الاحتلال العاري. لكن الجوهر واحد، والاسم الذي حاولت العبرية طمسه عاد يظهر بحروفه العربية كما هو: ترانسفير.

وما بين بؤرة عسكرية في شمال غزة و”عطاء استيطاني” شرقي القدس، لا مسافة سياسية حقيقية، بل خط واحد يبدأ من رفح ولا ينتهي إلا حين يقتنع صاحب الأرض أنّ الوعي، لا الانتظار، هو الفعل الوحيد الذي لم يُصادَر بعد

captcha