معضلة القوة «الإسرائيلية» المفرطة: أزمة الاستنزاف العسكري وتداعياتها على الكيان
حسن حردان
تزداد القناعة في الدوائر الإسرائيلية تدريجياً بأنّ العقيدة العسكرية القائمة على “الحسم السريع” و”تعدّد الجبهات” باتت تصطدم بجدار الحقيقة الميدانية المتمثل في الاستنزاف غير المسبوق. فبعد أعوام من المعارك المستمرة، لم تعد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تعاني فقط من ضغط الميدان، بل تواجه أزمة بنيوية عميقة تهدّد جاهزيتها بعيدة المدى، وتفرض قيوداً صارمة على خياراتها السياسية والعسكرية المستقبلية، وسط تداعيات اقتصادية خانقة وانقسامات سياسية داخلية غير مسبوقة.
أولاً: استنزاف العقود الثلاثة…تآكل المخزون والضغط اللوجستي
تشير المعطيات التحليلية المستجدة في الصحافة “الإسرائيلية”، ولا سيما ما كشفه خبراء الشؤون العسكرية مثل ألون بن دافيد في صحيفة “معاريف”، إلى أنّ “إسرائيل” استهلكت خلال الأعوام الأخيرة كميات من الذخائر والمعدات العسكرية تفوق ما كان مخصصاً لاستهلاكه على مدار ثلاثة عقود كاملة. هذا “الاستهلاك الهستيري” وضع المنظومة اللوجستية تحت ضغط استثنائي حاد.
ويأتي هذا النزيف المتسارع في وقت تقبل فيه حكومة العدو برئاسة بنيامين نتنياهو بتقليص محتمل للمساعدات العسكرية الأميركية المستقبلية، مما يضع المؤسسة العسكرية أمام مأزق استراتيجي حقيقي: كيف يمكن الحفاظ على الجاهزية القصوى في مواجهة أعداء إقليميين، بينما تفرغ المخازن الاستراتيجية وتتعثر خطط التعويض السريع في ظل تراجع الدعم الخارجي المضمون؟
ثانياً: التداعيات الاقتصادية…فاتورة باهظة وتهديد للاستقرار المالي
لم تقف أثار الحرب عند حدود المخازن العسكرية، بل امتدّت لتضرب عصب الاقتصاد “الإسرائيلي”. فقد تحوّلت تكلفة إدارة المعارك إلى عبء مالي كبير ينهك الخزينة العامة:
1 ـ استنزاف الاحتياط: بلغت تكلفة شهر خدمة احتياط واحد نحو 700 مليون دولار، وهو رقم هائل يلتهم مخصصات قطاعات حيوية أخرى كالتعليم والصحة، ويعادل قيمة شراء عشرات دبابات “ميركافا” الحديثة شهرياً.
2 ـ شلل القطاعات الاقتصادية: أدى الاعتماد المفرط والمستمر على جنود الاحتياط إلى سحب مئات الآلاف من الأيدي العاملة الفاعلة في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، الصناعة، والخدمات، مما أدى إلى تباطؤ اقتصادي حاد، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وارتفاع معدلات التضخم والعجز المالي للكيان.
ثالثاً: الإنهاك البشري وأزمة “تجنيد الحريديم”
لا يقتصر الاستنزاف على المعدات والأموال، بل يمتدّ إلى العنصر البشري الذي يُعدّ العمود الفقري للجيش. فقد تكبّدت قوات الاحتلال الإسرائيلية خسائر فادحة تمثلت في مقتل الآلاف وإصابة نحو 11,730 جندياً بجروح خطيرة جسدية ونفسية.
وتتفاقم هذه الأزمة البشرية بفعل أزمة تجنيد الحريديم التي تحوّلت إلى صراع وجودي داخل المجتمع الإسرائيلي:
ـ الفجوة العددية: بينما يطالب الجيش بسد عجز فوري يُقدر بنحو 12 ألف جندي، تصر الأحزاب الدينية المتشددة في الائتلاف الحكومي على إعفاء أبناء طائفتهم من الخدمة العسكرية.
ـ الشرخ الداخلي والابتزاز السياسي: أدى هذا التعنّت إلى تكبّد الشرائح الأخرى (العلمانية والصهيونية الدينية) وزر الخدمة المتكررة، مما خلق حالة من الغضب الشعبي والعصيان المدني. سياسياً، تجد حكومة نتنياهو نفسها رهينة لدى هذه الأحزاب، حيث تضحي بالاستقرار العسكري للجيش في سبيل ضمان بقاء الائتلاف الحكومي، مما يصيب عملية صنع القرار بالشلل التام.
رابعاً: تقييد استراتيجية “الجبهات المتعددة”
تنعكس هذه الأزمة المركبة (العسكرية، الاقتصادية، والسياسية) بشكل مباشر على العقيدة الهجومية الإسرائيلية. إنّ تكلفة الحرب الباهظة، ونقص الكفاءات، والإنهاك المستمر، تحوّلت إلى رادع داخلي يمنع قيادة العدو من التورط في حروب واسعة جديدة أو توسيع نطاق المواجهات القائمة.
فالجيش الذي يعاني من تراجع كفاءة وحداته النظامية بفعل الإطالة في الانتشار، لم يعد يملك رفاهية خوض مغامرات إقليمية غير محسوبة النتائج ـ سواء في الساحة الشمالية أو السورية أو في مواجهة توترات مع قوى إقليمية كبرى ـ دون غطاء أميركي لوجستي ضخم. هذا الواقع أجبر الدوائر الأمنية على تفضيل خيارات التهدئة واحتواء الاحتكاكات، تجنّباً للوصول إلى نقطة الانهيار الشامل.
خلاصة القول: إنّ أزمة جيش الاحتلال “الإسرائيلي” الحالية تتجاوز كونها أزمة تكتيكية عابرة؛ إنها اختبار جذري لنموذج “الدولة العسكرية” في ظلّ محدودية الموارد البشرية والاقتصادية، وتآكل التماسك الاجتماعي. ومع تعمّق التناقض بين الخطاب السياسي المتشدّد الساعي لفرض وقائع بالقوة، وبين الواقع الميداني والاقتصادي الذي يحذر من الانهيار، يجد كيان الاحتلال نفسه مقيّداً بسلاسل الاستنزاف الذاتي، مما يجعل أيّ تفكير في حروب مفتوحة مستقبلاً مغامرة ذات أثمان استراتيجية كارثية…