kayhan.ir

رمز الخبر: 228898
تأريخ النشر : 2026August25 - 21:47

كيف كسرت المقاومة الإسلامية جغرافيا سايكس–بيكو؟

 

لم تكن سايكس–بيكو مجرد خطوط رُسمت على خريطة، كان المشروع في أثره السياسي والتاريخي أوسع من ذلك، ولكن في المقابل ظهرت خلال العقود اللاحقة جغرافيا أخرى لا تعترف بالحدود السياسية بوصفها نهاية للمصالح والقضايا المشتركة، مركزها القضية الفلسطينية والمواجهة مع الكيان الصهيوني.

رسول حسين أبو السبح: لم تكن سايكس–بيكو مجرد خطوط رُسمت على خريطة، كان المشروع في أثره السياسي والتاريخي أوسع من ذلك، إذ ساهمت ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى في تحويل المجال المشرقي المتداخل إلى كيانات سياسية بحدود جديدة، حتى أصبحت الحدود بين العراق وسوريا ولبنان وفلسطين وغيرها جزءًا من واقع سياسي واجتماعي جديد، ولهذا تحولت سايكس–بيكو مع مرور الزمن إلى رمز لفكرة التجزئة الخبيثة التي حكمت المنطقة الحديثة.

لكن التاريخ لا يُقاس بالخرائط وحدها، ففي مقابل الجغرافيا التي قسمت المنطقة إلى دول تحدها حدود مرسومة، ظهرت خلال العقود اللاحقة جغرافيا أخرى لا تعترف بالحدود السياسية بوصفها نهاية للمصالح والقضايا المشتركة، جغرافيا صنعتها القضية الفلسطينية، والمواجهة مع إسرائيل، ومقاومة النفوذ الأجنبي، وشبكات دينية وفكرية وسياسية امتدت من إيران إلى العراق وسوريا ولبنان، ثم اتسعت لاحقًا لتشمل اليمن وقوى فلسطينية.

كيف كسرت المقاومة الإسلامية جغرافيا سايكس–بيكو؟

من الحدود السياسية إلى وحدة القضية

لم يكن العراق ولبنان وسوريا واليمن وإيران كتلة سياسية واحدة، ولم تكن القوى الموجودة فيها متطابقة في أهدافها المحلية أو في طبيعة علاقتها بإيران، لكن ما نشأ تدريجيًا كان شيئًا آخر، تقاطع في الرؤية تجاه قضايا إقليمية كبرى، وفي مقدمتها فلسطين ومواجهة الكيان الصهيوني والنفوذ الأمريكي في المنطقة، و الوقوف في وجه الاستكبار العالمي.

تعود جذور هذا المسار إلى ما بعد الثورة الإيرانية عام 1979، ثم تطورت العلاقات مع حزب الله في لبنان خلال ثمانينيات القرن الماضي، ومع قوى عراقية وفلسطينية، قبل أن تتوسع الشبكة لاحقًا مع تطورات سوريا والعراق واليمن، وتصف دراسات متخصصة هذه البنية بأنها شبكة مرنة من الحلفاء والقوى المحلية، لكل منها حساباتها الخاصة، لكنها تتقاطع في مجموعة من الأهداف الاستراتيجية.

وهنا تكمن أهمية التجربة، فالمقاومة لم تتعامل مع الحدود السياسية باعتبارها غير موجودة، بل تعاملت معها باعتبارها حدودًا للدولة، لا حدودًا للقضية.

العراقي بقي عراقيًا، واللبناني لبنانيًا، واليمني يمنيًا، والسوري سوريًا، والإيراني إيرانيًا، لكن القضية التي يرى هؤلاء أنها تجمعهم تجاوزت الحدود التي تفصلهم على الخريطة.

فمثلاً العراق وسوريا ولبنان حين أصبحت المسافة بينهم ممرًا، كانت العلاقة بين العراق وسوريا ولبنان إحدى أكثر صور هذا التحول وضوحًا، خصوصًا بعد عام 2011، فالحرب السورية لم تبقَ حربًا داخل الحدود السورية، ومع صعود تنظيم داعش واتساع الحرب، تحولت الجغرافيا الممتدة من العراق إلى سوريا ولبنان إلى مسرح مترابط أمنيًا وعسكريًا، وأصبح التعاون بين قوى مختلفة في هذه البلدان جزءًا من شبكة إقليمية أوسع.

وتشير دراسات عديدة عن هذه الشبكة إلى أن الممر الممتد من إيران عبر العراق وسوريا وصولًا إلى لبنان اكتسب أهمية استراتيجية، لأنه ربط ساحات كانت تبدو منفصلة على الخريطة السياسية.

وهنا ظهرت المفارقة:

الحدود التي صممت لتفصل الساحات أصبحت، في نظر خصوم المقاومة، خطوطًا ينبغي مراقبتها، بينما أصبحت في نظر شبكات المقاومة نقاط عبور واتصال وتنسيق.

لم تعد بغداد بعيدة عن دمشق كما توحي الخريطة، ولم تعد دمشق بعيدة عن بيروت كما توحي الحدود، الجغرافيا السياسية قالت هذه دول مختلفة، أما جغرافيا الصراع فقالت هذه ساحات متصلة.

ثم جاء اليمن ليضيف بعدًا جديدًا، فاليمن لا يجاور لبنان ولا العراق ولا إيران جغرافيًا بالطريقة التي يجاور بها العراق سوريا، ومع ذلك أصبح جزءًا من المشهد الإقليمي الأوسع.

وهذا التطور مهم، لأنه يوضح أن الجغرافيا الجديدة للمقاومة لم تكن قائمة فقط على القرب المكاني، وإنما على القدرة على ربط ساحات متباعدة حول قضية مشتركة.

ولهذا باتت الدراسات التي تتناول محور المقاومة تتحدث عن شبكة تمتد بين لبنان والعراق وسوريا واليمن، إلى جانب إيران والقوى الفلسطينية، مع اختلاف كبير في طبيعة العلاقة بين كل طرف والآخر.

وهكذا لم يعد السؤال أين تقع كل قوة؟ بل أصبح ما الذي يجمع هذه القوى رغم وجودها في دول مختلفة؟

ربما هنا تكمن إحدى أهم التحولات التي أحدثتها هذه التجربة، الدولة الحديثة تقوم على الإقليم والحدود والسيادة، أما الشبكات العابرة للحدود فتقوم على الاتصال، اتصال الأفكار، والخبرات، والمؤسسات، والموارد، والمصالح.

كيف كسرت المقاومة الإسلامية جغرافيا سايكس–بيكو؟

ما الذي وحد هذه الساحات؟

لم يكن العامل الوحيد هو الدين، ولا القومية، ولا الجغرافيا، بل تشكلت مع الزمن مجموعة من المصالح والقضايا المشتركة، أبرزها فلسطين، ومواجهة إسرائيل، ومقاومة الوجود والنفوذ الأمريكي، إلى جانب روابط دينية وفكرية وسياسية متباينة من ساحة إلى أخرى، وهنا تظهر إحدى أهم سمات التجربة الوحدة لم تكن تطابقًا.

فحزب الله له بيئته وحساباته اللبنانية، والقوى العراقية لها واقعها العراقي، وأنصار الله لهم سياقهم اليمني، وإيران دولة لها مصالحها وحساباتها الخاصة، وسوريا كانت لها اعتبارات الدولة والحرب والجغرافيا.

ومع ذلك استطاعت هذه الأطراف، بدرجات مختلفة، أن تلتقي في ساحات وقضايا مشتركة، وهذه هي النقطة التي تستحق التوقف عندها، الوحدة لا تعني أن الجميع نسخة واحدة، بل أن الاختلافات المحلية لم تمنع وجود قضية إقليمية مشتركة.

كيف انتصرت الجغرافيا الجديدة على جغرافيا سايكس–بيكو؟

نعم الحدود ما زالت قائمة، والعراق عراق، وسوريا سوريا، ولبنان لبنان، واليمن اليمن، وإيران إيران، لكن الذي تغير هو أن الحدود لم تعد كافية لتفسير حركة السياسة والصراع في المنطقة، فمن يريد فهم ما جرى خلال العقود الماضية لا يستطيع النظر إلى كل بلد باعتباره جزيرة منفصلة.

فالحرب في العراق أثرت في سوريا، والحرب في سوريا أثرت في لبنان، والصراع في فلسطين امتد أثره إلى ساحات أخرى، والتطورات في اليمن دخلت في حسابات الأمن الإقليمي، وهكذا أصبحت المنطقة، سياسيًا وأمنيًا، أكثر ترابطًا مما توحي به خرائطها الرسمية.

 

لقد أنتجت سايكس–بيكو جغرافيا الدول، أما المقاومة، ومعها قوى إقليمية أخرى، فقد ساهمت في تحطيم هذه الجغرافيا، والفارق بينهما أن الأولى تسأل أين ينتهي هذا البلد؟ بينما الثانية تسأل أين تبدأ القضية وتنتهي؟

 

ربما لهذا السبب تبدو عبارة "كسر سايكس–بيكو" أكثر دقة إذا فهمناها بوصفها تعبيرًا سياسيًا وفكريًا، لا إعلانًا عن اختفاء الحدود، فالحدود قد تبقى مرسومة على الخرائط، لكن قدرتها على فصل المصالح والأفكار والقضايا المشتركة يمكن أن تتراجع، وهنا يمكن فهم التجربة التي امتدت من إيران إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن بوصفها انتقالًا من التجاور الجغرافي إلى الترابط الاستراتيجي.

 

لم تعد المسافة وحدها تحدد علاقة الساحات ببعضها، ولم يعد اختلاف الجنسية يعني بالضرورة اختلاف القضية، لقد اكتشفت المنطقة، في واحدة من أكثر مفارقات تاريخها إثارة، أن الخط الذي يستطيع أن يقسم الأرض لا يستطيع بالضرورة أن يقسم الفكرة.

وهنا بالضبط تبدأ قصة كسر جغرافيا سايكس–بيكو ليس عندما تختفي الحدود من الخريطة، بل عندما تتوقف الحدود عن أن تكون حدودًا للقضية.

مهر

captcha