kayhan.ir

رمز الخبر: 228897
تأريخ النشر : 2026August25 - 21:47

من مليونين إلى ثلاثة بين التوقع والحرب النفسية؟

 

ناصر قنديل

 عندما يعلن وزير الخزانة الأميركي أن سعر الدولار، بعدما بلغ مليوني ريال إيراني، يتجه نحو ثلاثة ملايين، يبدو الكلام للوهلة الأولى كأنه توقع مالي صادر عن جهة تمتلك المعلومات والخبرة. لكن الوزير ليس مراقباً مستقلاً للأسواق، بل أحد الذين يُديرون الحصار على إيران. ولذلك لا يمكن فصل تصريحه عن الحملة التي يقودها، ولا التعامل معه كما لو كان تقريراً صادراً عن مؤسسة بحثية محايدة.

حتى نفهم وظيفة التصريح، يجب أن نبدأ من السؤال البسيط: كم ارتفع الدولار أمام الريال عندما بلغ مليونين؟ فهل كان بالأمس مليوناً وصار مليونين وغداً سوف يصبح ثلاثة؟ ماذا تغيّر في الاقتصاد الإيراني خلال الأيام القليلة الماضية حتى يفقد الريال نصف قيمته الإضافيّة ويصبح الدولار مرشحاً للانتقال من مليونين إلى ثلاثة ملايين ريال؟ هل تراجعت صادرات النفط بهذه النسبة؟ هل توقفت التجارة مع الصين؟ هل أُغلقت الحدود مع العراق وتركيا وباكستان؟ وهل تعطّلت منشآت الغاز والكهرباء والإنتاج الغذائيّ والدوائيّ وفُقِدَت السلع الأساسيّة من الأسواق؟

يجب التمييز بين المسار الطويل للريال وبين حركة الأيام الأخيرة. ذلك أن الانتقال من مليون إلى مليوني ريال للدولار لم يحدث خلال أيام الحملة الجديدة. تجاوز الدولار مستوى المليون ريال في آذار 2025، ثم احتاج إلى نحو سبعة عشر شهراً ليبلغ المليونين في آب 2026. وخلال هذه المدة تعرّضت إيران للحرب والعقوبات والاضطرابات السياسية وتراجعت الثقة بالعملة بفعل التضخم المتراكم.

أما في الأسبوع الأخير، فقد ارتفع الدولار في السوق الحرّة من نحو مليون و865 ألف ريال إلى قرابة مليونين و20 ألفاً، أي بنحو 8%. هذه حركة كبيرة ومؤلمة، لكنها لا تعني أن الطريق نحو ثلاثة ملايين صار آلياً أو أن الاقتصاد فقد ثلث قدرته بين ليلة وضحاها. إنها، في جانب مهم منها، حركة طلب احترازي: مواطنون وتجار يخشون المستقبل يشترون الدولار، لا لأن حاجاتهم التجارية ارتفعت فجأة، بل لأنهم يخافون مما قد يحدث.

عند بدء الحرب في أوكرانيا، كان الدولار يساوي نحو 80 روبلاً. ومع إعلان العقوبات وتجميد جزء كبير من الاحتياطيات الروسية، اندفعت الأسواق نحو الهلع، فوصل الدولار في التعاملات الخارجية إلى نحو 150 روبلاً خلال أقلّ من أسبوعين. وبدا يومها أن العملة الروسية في طريقها إلى انهيار مفتوح. لكن السعر عاد في غضون أسابيع إلى مستوى ما قبل الحرب، ثم تحسّن إلى قرابة 57 روبلاً للدولار في أيار 2022. ولم يحدث ذلك لأن العقوبات اختفت، بل لأن السوق اكتشفت أنها بالغت في تسعير قدرتها الفورية على خنق الاقتصاد الروسي. واصل النفط والغاز الروسيان الوصول إلى الأسواق، وفتحت الصين والهند وتركيا مسارات جديدة للتجارة، بينما فرض المصرف المركزي الروسي قيوداً على خروج الأموال، ورفع الفائدة إلى 20%، وألزم المصدرين ببيع 80% من عائداتهم بالعملات الأجنبية. وهكذا كانت لحظة الـ150 روبلاً لحظة خوف، لا سعراً يعكس التوازن الحقيقيّ بين العملات الداخلة والخارجة.

المقارنة لا تعني أن إيران تمتلك نقاط القوة الروسية نفسها. كانت موسكو تمتلك احتياطيات أكبر وصادرات طاقة أوسع وفائضاً تجارياً ضخماً ومؤسسات نقديّة أكثر قدرة على فرض الانضباط. لكن إيران تمتلك أوراقاً لم تكن متاحة لروسيا. بالمقابل، فإن إيران أقل دولرة في استهلاكها الداخلي؛ فالكهرباء والغاز والمياه والاتصالات والبنزين منتجة محلياً ومسعّرة إدارياً بكلفة منخفضة. والقسم الأكبر من الغذاء والدواء محليّ أو مدعوم عبر أسعار صرف مخصّصة. كما أن الأجور والإيجارات والخدمات الداخلية تُدفع بالريال، ولا يُعاد تسعيرها بالدولار يومياً كما يحدث في اقتصادات مدولرة مثل لبنان. لذلك لا يعني تضاعف سعر الدولار خلال سنة ونصف أن كلفة حياة الأسرة الإيرانيّة تضاعفت. يتلقى قطاع السلع المستوردة والسيارات والإلكترونيات والآلات والمواد الصناعية الصدمة أولاً، ثم ينتقل جزء منها تدريجياً إلى بقية الأسعار. أما الحد الأدنى من الحياة اليومية فيبقى محمياً نسبياً ما دامت منشآت النفط والغاز والكهرباء والاتصالات والإنتاج الغذائي والدوائي تعمل. إضافة إلى ذلك، تستطيع إيران التأثير في مضيق هرمز وسوق النفط، ولديها تجارة حدودية واسعة مع العراق وتركيا وباكستان وأفغانستان وغيرها. وكل محاولة أميركية لخنق صادراتها قد ترفع سعر النفط، فتزيد الكلفة على واشنطن وحلفائها وتعوّض إيران جزئياً عن انخفاض الكمية المصدرة.

المشكلة الأميركية ليست في إصدار قرار العقوبات، بل في إلزام الآخرين بتنفيذه. الصين ليست مستورداً صغيراً يمكن تهديده بسهولة، وروسيا تمتلك منظومة واسعة للتعامل مع العقوبات. أما تركيا والعراق وباكستان، فعلى الرغم من ارتباطاتها بواشنطن، فإن وقف تجارتها مع إيران يهدد مصالحها الاقتصادية واستقرار مناطقها الحدودية. وقد تلتزم المصارف الكبرى التي تخشى خسارة وصولها إلى النظام المالي الأميركي، لكن ذلك لا يعني توقف التجارة. يمكن أن تنتقل التعاملات إلى العملات المحلية والمقاصة والذهب والشركات الصغيرة والوسطاء. وهنا يظهر الفارق بين حصار معلن وحصار قادر فعلياً على وقف تدفق السلع والعملات.

يدرك المسؤول الأميركي أن سعر الصرف في السوق الإيرانية لا تحركه الأرقام التجارية وحدها، بل التوقعات والخوف أيضاً. ولذلك يؤدي التصريح وظيفة واضحة، وهي إقناع الإيراني بأن المليونين ليستا نهاية الهبوط، وأن عليه شراء الدولار الآن قبل أن يصل إلى ثلاثة ملايين. وتتحول الرسالة إلى سلسلة نفسية واقتصادية مترابطة: تصريح أميركي مخيف، ثم توقع بانهيار الريال، ثم اندفاع إلى شراء الدولار، ثم ارتفاع سعره، ثم استخدام هذا الارتفاع دليلاً على نجاح العقوبات. وبدلاً من فعالية العقوبات تراهن أميركا على تأثير الحرب الإعلامية والنفسية، وبهذه الطريقة تحاول واشنطن جعل الإيرانيين شركاء، من حيث لا يريدون، في تنفيذ الحصار على عملتهم. فإذا اشترى ملايين الإيرانيين الدولار خوفاً من تصريح وزير الخزانة، تستطيع الخزانة الأميركية الادعاء بأن العقوبات حققت ما توعدت به، مع أن جزءاً من النتيجة صنعته الحرب النفسية نفسها.

لا يمكن التقليل من خطورة الحصار أو إنكار المشكلات البنيوية في الاقتصاد الإيراني، من التضخم المزمن إلى ضعف الثقة وتعدد أسعار الصرف. لكن الحكم على نجاح الحملة لا يصدر في يومها الأول؛ والاختبار الحقيقي يأتي بعد أسابيع: كم انخفضت صادرات النفط فعلياً؟ وكم خسرت إيران من العائدات القابلة للاستخدام؟ وهل تراجعت التجارة مع الصين وروسيا ودول الجوار؟ وهل تعرّضت القاعدة المحلية للطاقة والغذاء والدواء والخدمات للتدمير أو التعطيل؟

إذا لم تتحقق هذه النتائج، يهدأ الطلب الاحترازي على الدولار ويكتشف السوق أنه بالغ في تسعير قوة الحصار، كما حدث للروبل الروسي. أما إذا نجحت واشنطن في خفض الإيرادات وتعطيل الإنتاج والتجارة، يصبح تراجع الريال تعبيراً عن نقص اقتصادي فعلي، لا مجرد صدمة نفسية.

من هنا، فإن انتقال الدولار إلى ثلاثة ملايين ريال ليس حقيقة اقتصادية اكتشفها وزير الخزانة، بل هدف سياسيّ أعلنه أحد قادة الحرب الاقتصادية. والتصريح جزء من المعركة، بل ربّما هو ثمرة قلق من فشل الحصار الحقيقي والرهان على الحرب النفسية والإعلامية بديلاً، والمطلوب من التصريح أن يصنع النتيجة التي يدّعي أنه يتنبأ بها.. والحد الفاصل بين الحرب النفسية والحصار الفعلي لن ترسمه التصريحات، بل أرقام النفط والتجارة والإنتاج بعد أن تنقشع صدمة الأيام الأولى.

captcha