إدارة الوقت اختصاص إيراني لمواجهة الإرهاب الاقتصاديّ الأميركيّ
أحمد بهجة
يترقّب العالم بأسره، بقلق بالغ توسيع الولايات المتحدة الأميركيّة حربها الاقتصاديّة غير المسبوقة على الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة (الإثنين) عبر رزمة واسعة من العقوبات وصفها وزير الخزانة الأميركيّ سكوت بيسنت بأنها “الأشدّ في التاريخ”، وتستهدف أيّ دولة تقدّم “أيّ شكل من أشكال شرايين الحياة لإيران” وفقَ ما صرّح به الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في إعلانه عن هذه العقوبات.
جاء هذا القرار الأميركيّ بإيعازٍ من رئيس حكومة العدوّ “الإسرائيليّ” بنيامين نتنياهو إلى ترامب، زاعماً أنَّ فرض حصار اقتصاديّ على إيران لشهرين أو ثلاثة أو ستة أشهر سيؤدّي إلى استسلامها، بعد فشل الحربين العسكريتين السابقتين على إيران في إسقاط النظام فيها وإجبارها على الرضوخ للهيمنة الأميركيّة ـ “الإسرائيليّة”.
وعلى الرغم من أنَّ العقوبات الجديدة، ستطال الشعبَ الإيرانيّ برمّته، إذ ستركّز على العائدات النفطيّة الإيرانيّة بالدرجة الأولى وفرض قيود صارمة على الدول التي تستهلك النفط الإيرانيّ ومصافيها ومصارفها وكياناتها الماليّة ما سيؤدي إلى تراجع القوّة الشرائيّة للعملة الإيرانيّة وإرباك السوق الماليّة واضطراب سوق العمل وارتفاع معدّلات البطالة، بحسب ما يأمل ترامب، إلاّ أنَّ دخول العقوبات حيّز التنفيذ سيضع الولايات المتحدة في مواجهة مع دول عديدة يعتمد اقتصادها على إمدادات النفط الإيرانيّ وأبرزها الصين، فضلاً عن المزيد من اضطراب سوق النفط العالميّ المضطرب أصلاً بفعل إغلاق مضيق هرمز وقد بدأت المفاعيل بالظهور فور الإعلان عن العقوبات، إذ ارتفعَ سعر برميل برنت إلى 94 دولاراً ما زاد من الأزمة الاقتصاديّة العالميّة التي تطال بتداعياتها الولايات المتحدة نفسها.
وفي المقابل، استعدّت إيران بجديّة لمواجهة الإرهاب الاقتصاديّ المُقبل، بمعادلة التصعيد بالتصعيد، محذّرةً على لسان كبار مسؤوليها من أنَّ أيّ دولة ستتجاوب مع العقوبات الأميركيّة وتدعمها، فإنَّها ستلقى عقاباً شديداً ولن تخرج قطرة نفط واحدة من الخليج، علماً بأنَّ إيران استطاعت التعامل بواقعيّة مع العقوبات المفروضة عليها منذ أربعة عقود وتمكّنت بحنكة سياسيّة واقتصاديّة وماليّة من تصريف قسم كبير من إنتاجها النفطيّ عبرَ شركات كبرى لا تمرّ أموالها في النظام الماليّ الأميركيّ. لذا تمكّنت إيران من تأمين الاكتفاء الذاتيّ للدولة ومواطنيها، وعملت على توفير معظم الحاجات الضروريّة الأساسيّة للشعب الإيرانيّ من غذاء ودواء وحاجيّات حياتيّة أخرى، إلى جانب إطلاق ثورة علميّة وصناعية وتكنولوجيّة وتسليحيّة ونوويّة سلميّة، ظهرت بالتجربة معالمها بوضوح في الآونة الأخيرة، الأمر الذي يطرح التساؤل مَن سينتصر في المواجهة الإيرانيّة ـ الأميركيّة الجديدة؟
مشروعيّة هذا التساؤل تنبعُ من المعطيّات البارزة في كلا البلدين. إذ بينما أثبتت التجربة أنَّ باستطاعة إيران تحويل التحدّيات إلى فرص للنهوض وجبه المخاطر كما هو مبيّن أعلاه، بالإضافة إلى عاملين أساسيّين في هذا المجال وهما: الأول التلاحم الشعبيّ والالتفاف حول الدولة والنظام الذي قلّ نظيره في العالم ويبرزُ خصوصاً عندَ كلّ منعطف مصيريّ تمرّ به البلاد والثورة. الثاني وحدة القرار على مستوى السُلطة السياسيّة ومعها القوى المسلّحة تحت عباءة قائد الثورة على الرغم من وجود بعض الاختلافات في وجهات النظر في عدد من المسائل السياسيّة والاقتصاديّة، لكنّ أيّ قرار يخرج من النقاشات يلتزم به الجميع ويعملون بموجبه، وهذا لافت على مستوى العالم. وكلا العاملين تظهّرا في الواقع في كلّ المحطّات المصيريّة وخصوصاً إبّان الحرب الأميركيّة الأخيرة على إيران.
وفي المقابل تعيش الولايات المتحدة منذ بداية ولاية ترامب الثانيّة أزمات تستولد أزمات ولا تنتهي، في السياسة والاقتصاد والمال والمجتمع، لكنَّ أخطرها هو ما تشهده الساحة الأميركيّة من تجاذبات سياسيّة حادّة بين الحزبين الجمهوريّ والديمقراطيّ وأحياناً يتفقان على وجّه واحد كتسليط الضوء معاً على الفساد المتفاقم منذ تولّي ترامب الحكم واتهامه من قِبل الديمقراطيين وما يقارب نصف الجمهوريين، وفقَ استطلاعات الرأي، باستخدام نفوذه وتسخير موارد الدولة لمضاعفة ثرواته وثروات عائلته. أمّا في الاقتصاد فقد أدّت سياسات ترامب الجمركيّة إلى ارتفاع الأسعار وتراجع النموّ وزيادة الأعباء على المواطنين بفعل الضرائب المتزايدة لتمويل حروب ترامب العبثيّة وارتفاع كلفة المعيشة بفعل ارتفاع أسعار النفظ بعدَ إغلاق مضيق هرمز وصولاً إلى تحقيق عجز في الخزينة العامّة وتراكم الديون التي تخطت حاجز الـ 40 تريليون دولار من دون أيّ بارقة أمل في إعادة التوازن الماليّ في المدى المنظور، بلّ بالعكس تفيد كلّ المؤشّرات بأنَّ هذا المأزق الأميركيّ آخذ في الاتساع.
ومع اقتراب استحقاق انتخابات الكونغرس النصفيّة، فإنَّ عامل الوقت سيكون لصالح إيران بقدرتها التاريخيّة على الصمود واعتمادها الصبرَ الإستراتجيّ في مواجهة الخصم حتى إنهاكه والتحضير لوسائل جديدة للمواجهة والصمود، ما يعني في الخلاصة أنَّ إيران اختصاصها إدارة الوقت، وبالتالي هي مؤهّلة للانتصار في الحرب الاقتصاديّة بعدَ انتصارها في الحرب العسكريّة وذلكَ لامتلاكها أوراق وعناصر القوّة المطلوبة، وما على الإدارة الأميركيّة إلاّ الاعتراف بهذه الحقائق وتغيير نهجها السياسيّ والاقتصاديّ ولا سيّما مع إيران ودول المنطقة… إذا أرادت أن تبقى دولة عظمى.