kayhan.ir

رمز الخبر: 228710
تأريخ النشر : 2026August22 - 20:30

سلاح المقاومة في العراق.. السيادة لا تُجزّأ

 

حدّدت الحكومة العراقية الثلاثين من أيلول 2026 موعداً نهائياً لحصر السلاح بيد الدولة، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق. وتبدو المعادلة الحكومية بسيطة، بانتهاء الوجود العسكري الأجنبي تسقط الذريعة التي استندت إليها فصائل المقاومة للاحتفاظ بسلاحها، ويصبح كل سلاح خارج المؤسسات الرسمية خاضعاً للقانون. لكن ردّ الفصائل نقل النقاش من سؤال السلاح وحده إلى سؤال أشمل، هل تريد الحكومة احتكار السلاح فعلاً، أم تنفيذ احتكار انتقائي يطال فصائل المقاومة ويستثني مصادر أخرى للسلاح والسيادة المنقوصة؟

المسؤول الأمني في كتائب حزب الله، أبو مجاهد العساف، وضع شروطاً لأي مقاربة تتعلق بالسلاح، أبرزها الخروج الكامل للقوات الأميركية واستعادة السيادة الكاملة على الأجواء العراقية من القوات الأميركية، وإنهاء الوجود العسكري التركي في شمال العراق، وحلّ قوات البيشمركة أو إخضاعها الكامل للدولة. وفي خط موازٍ، وصف الأمين العام لكتائب سيد الشهداء أبو آلاء الولائي السيطرة الأميركية على أموال العراق بأنها «احتلال مالي»، متسائلاً كيف تكون الدولة ذات سيادة بينما لا تمتلك حرية التصرف بعائدات نفطها وعلاقاتها المصرفية والاقتصادية؟ وهكذا تكامل الموقفان من دون أن يكونا موقفاً واحداً، كتائب حزب الله أثارت الوجود الأجنبي والبيشمركة، والسيادة الاقتصادية والمالية، والولائي أثار السيادة المالية بالتفصيل والوضوح ربطاً بمبيعات النفط العراقي واحتجازها في الفيدرالي الأميركي.

في الملف الماليّ لا تتحدّث الفصائل عن شعار مجرد. فقد أُنشئت بعد الاحتلال الأميركي عام 2003 آلية لإيداع عائدات النفط العراقي في حساب لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، واستمرت الآلية بأشكال متعاقبة حتى صارت واشنطن تمتلك قدرة فعلية على مراقبة تدفق الدولار إلى العراق وتقييده. ولأن النفط يمول نحو تسعين في المئة من إيرادات الدولة، يصبح التحكّم بقنوات وصول عائداته أداة ضغط على القرار السياسي والاقتصادي العراقي، حتى لو بقيت الأموال مسجلة باسم العراق.

السؤال الذي تطرحه الفصائل مشروع: هل يكفي خروج الجنود الأميركيين إذا بقي المال العراقي تحت رقابة أميركية؟ السيادة ليست حدوداً وثكنات فقط، بل تشمل حق الدولة في إدارة أموالها واختيار شركائها وشراء حاجاتها من دون إذن خارجي. ولذلك لا تستطيع الحكومة اعتبار «الاحتلال المالي» ملفاً منفصلاً عن حصر السلاح، لأن حجتها الأصلية تقوم على استعادة السيادة الكاملة.

أما ملف البيشمركة فيكشف مشكلة المعيار المزدوج. فالدستور يسمح للأقاليم بتأسيس قوات للأمن الداخلي، تشمل الشرطة والأمن وحرس الإقليم، لكنه لا ينصّ على إقامة جيش مستقل يمتلك قيادة وتسليحاً ثقيلاً وعلاقات خارجية منفصلة عن القيادة العامة للقوات المسلحة. الفيدرالية تمنح الإقليم صلاحيات واسعة في الإدارة والخدمات والأمن المحلي، ولا تعني وجود جيش داخل الجيش أو سياسة دفاعية داخل السياسة الدفاعية للدولة.

ولا تتوقف خصوصيّة إقليم كردستان عند البيشمركة، بل تمتد إلى الثروة النفطية. فالإقليم أبرم عقوداً مع شركات أجنبية وصدّر النفط عبر تركيا وتصرف بإيراداته خارج المنظومة الاتحادية لفترات طويلة. لكن المادة 111 من الدستور تنص على أن النفط والغاز ملك لجميع الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات، فيما تجعل المادة 112 إدارتهما مسؤولية مشتركة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحافظات المنتجة، لا ملكية حصرية للإقليم المنتج.

وفي شباط 2022 قضت المحكمة الاتحادية بعدم دستورية قانون النفط والغاز في إقليم كردستان، وطالبت بتسليم الإنتاج إلى وزارة النفط الاتحادية. كما أدّى التصدير المستقل عبر تركيا إلى نزاع تحكيمي انتهى عام 2023 بوقف خط التصدير، قبل التوصل إلى ترتيبات تعيد التسويق إلى شركة «سومو» وتحول الإيرادات إلى الخزانة الاتحادية. ما يؤكد أن الخلاف لم يكن محاسبياً، بل كان متعلقاً بمركز القرار السياديّ في الدولة.

هنا تصبح حجة الفصائل أكثر إحراجاً للحكومة، إذا كان مقبولاً أن يحتفظ إقليم واحد بقوة عسكرية ذات خصوصيّة واسعة، وبنفوذ استثنائي في التعاقد النفطي والتصدير والإيرادات، فلماذا لا يطبق النموذج نفسه على بقية الأقاليم والمحافظات؟

تستطيع محافظات الجنوب، حيث الجزء الأكبر من نفط العراق، أن تطالب عندئذ بقوات حرس إقليمية وبصلاحيات نفطية ومالية تماثل ما مُنح لكردستان. ويمكن للفصائل أن تقول إنها مستعدة للتحول إلى قوات حرس للأقاليم التي توجد فيها، بنسبة تتناسب مع السكان والمساحة وحجم الثروة ونوع المخاطر، وبدرجة استقلال وتسليح مماثلة للبيشمركة. فإذا رفضت الحكومة هذا الاحتمال لأنه يهدد وحدة الدولة، يكون عليها تطبيق الرفض نفسه على النموذج القائم في الشمال.

ليست الدعوة إلى استنساخ الخلل الكردستاني في بغداد والبصرة والأنبار، بل إلى فضح استحالة اعتماد قاعدة خاصة لا يجوز تعميمها. فإما أن تكون البيشمركة والصلاحيات النفطية المستقلة نموذجاً دستورياً مقبولاً، وعندها يحق للجميع طلب مثله، وإما أن تكون استثناءً سياسياً يناقض وحدة السيادة، وعندها يجب إنهاؤه ضمن مشروع حصر السلاح والثروة والقرار بيد الدولة.

قد تقول الحكومة للفصائل: سلّموا سلاحكم أولاً، وبعد ذلك نبحث في السيادة المالية والبيشمركة والنفط. لكن الفصائل تستطيع الإجابة: لماذا يكون المطلوب منا ملزماً وفورياً، بينما تبقى التزامات الدولة وعوداً مؤجلة؟ وما الضمانة بأن تنفذ الحكومة لاحقاً ما ترفض برمجته اليوم؟

المخرج الواقعي ليس في فرض استسلام أحادي، بل في جدول زمني متوازٍ، كل خطوة في دمج سلاح الفصائل تقابلها خطوة في إخضاع البيشمركة للقيادة الاتحادية؛ وكل انتقال للأسلحة الثقيلة إلى الدولة يقابله تقدم في توحيد إدارة النفط والإيرادات؛ وكل مرحلة من إعادة تنظيم الفصائل تقابلها مرحلة لتحرير القرار المالي وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي.

ليست المعادلة سلاحاً مقابل وعود، بل سلاحاً مقابل سيادة تتحقق خطوة بخطوة. فلا تستطيع الدولة أن تطلب من المقاومة التخلي عن أدوات قوتها، بينما تقبل جيشاً إقليمياً موازياً، وخصوصية في الثروة النفطية، ووصاية خارجية على المال العراقي. إما دولة اتحادية بمعيار واحد وجيش واحد وخزانة واحدة، وسيادة كاملة، وإما استثناءات يحق للجميع المطالبة بمثلها.

البناء

captcha