من الافتراض إلى الاختبار… حين يصبح لبنان مادةً للتجربة!
د. ليندا غدار
ليست المفاوضات دائماً تبادلاً مباشراً للشروط والمطالب. أحياناً يكون الأخطر فيها هو المنهج الذي تُدار به، والطريقة التي يُدفع فيها أحد الأطراف إلى قبول قواعد وضعها الطرف الآخر مسبقاً.
من هذه الزاوية، لفتني ما طرحه الدكتور حبيب فياض في إحدى مقابلاته التلفزيونية، حين استحضر “الوضعية المنطقية” في قراءته لمفاوضات الإطار، وربطها بمسار يقوم، وفق مقاربته، على الافتراض ثم الاختبار وصولاً إلى التحقق.
دعونا نترك الخلافات الفلسفية لأهل الاختصاص. فما يهمّني في طرح فياض هو ذلك البعد السياسي الذي التقطه. فهو لم يقدّم درساً في الفلسفة بقدَر ما قدّم مفتاحاً لقراءة فخ إجرائي قد يُستخدم في التفاوض.
فسواء سمّينا ما يحدث “وضعية منطقية” أم ”منهجاً تجريبياً”، فإنّ جوهر الفكرة يستحق التوقف عنده: حين يُقدَّم مطلب سياسي بالغ الحساسية وكأنه “اختبار”محايد، يمنح الطرف الذي يضع الاختبار نفسه موقع المراقب والحَكَم، فيما يتحوّل الطرف الآخر إلى موضوع للتجربة.
وهنا تكمن خطورة المسألة. فالخصم لا يريد فقط أن ننفّذ، بل أن ننفّذ ونحن تحت المجهر، بينما يحتفظ هو لنفسه بحق الحكم على نجاح التجربة أو فشلها.
فالقول للدولة اللبنانية: “أثبتي أولاً أنك قادرة على نزع السلاح”, ليس شرطاً تقنياً بسيطاً. إنه ينقل المفاوضات من البحث عن تسوية بين طرفين إلى امتحان داخلي يُطلب من لبنان اجتيازه قبل أن يعرف حتى ماذا سيحصل عليه في المقابل.
والاختبار هنا لا يقع في فراغ. تنفيذه يمسّ مسألة داخلية شديدة الحساسية، ويضع الدولة والجيش والمجتمع أمام احتمالات الانقسام والتوتر. فإذا نجحت الدولة في تنفيذ المطلوب، يكون الطرف الآخر قد حصل على ما يريد قبل أن يقدّم مقابلاً موازياً. وإذا فشلت، يصبح الفشل نفسه دليلاً يُستخدم للقول إنّ الدولة عاجزة عن تنفيذ التزاماتها.
أيّ إنّ لبنان قد يخسر في الحالتين، إذا قبل منذ البداية بمنطق الاختبار كما صيغ له. لكن التحذير وحده لا يكفي. فالسؤال الأهمّ اليوم ليس فقط: هل هذا المنهج خطير؟ بل: كيف نواجهه عملياً؟
هنا يمكن التفكير بثلاث ركائز تفاوضية تحول دون الوقوع في هذا الفخ:
*أولاً: إبطال الاختبار الأحادي والمطالبة بالتحقق المتبادل،
لا يمكن للتفاوض أن يقوم على امتحان طرف واحد، فيما يبقى الطرف الآخر خارج دائرة الاختبار.
لذلك، يجب أن تقابل كلّ خطوة مطلوبة من لبنان خطوة “إسرائيلية” واضحة وملموسة وقابلة للقياس، لا أن تُترك الالتزامات “الإسرائيلية” إلى مرحلة لاحقة أو إلى وعود غير محددة.
فبدلاً من مطالبة لبنان بإثبات قدرته على تنفيذ مطالب داخلية حساسة مقابل وعود غامضة، يجب إعادة صياغة المعادلة على أساس التزام مقابل التزام: انسحاب من الأراضي والنقاط المحتلة، وقف للخروقات، وتقدّم فعلي في الملفات السيادية، مقابل أيّ خطوات لبنانية يجري الاتفاق عليها ضمن تسوية شاملة.
فالتفاوض ليس مختبراً، بل موازنة بين مصالح والتزامات متبادلة، ولا يمكن أن تُطلب التنازلات من طرف واحد ثم يُطلب منه انتظار المقابل.
*ثانياً: كسر التسلسل الخطي: الافتراض ـ الاختبار ـ التحقق،
أخطر ما في هذا المنهج هو ترتيبه الإجباري: نفّذ أولاً، ثم نراقب، وبعد ذلك نقرّر ماذا نعطيك.
الحلّ هو رفض هذا التسلسل من أساسه، وتقسيم المسار إلى حزم متوازية ومترابطة، بحيث لا تتقدّم خطوة في جانب بينما يبقى الجانب الآخر ثابتاً.
بهذه الطريقة ينهار منطق “أثبت أولاً”، ويحلّ محله منطق الالتزامات المتزامنة. فلا يكون هناك طرف يراقب ويحكم، وطرف آخر ينفذ وينتظر، بل مسار يتحمّل فيه الطرفان مسؤولية التنفيذ وثمن التراجع.
وهنا تحديداً تنتقل المفاوضات من منطق الاختبار إلى منطق التعاقد السياسي.
*ثالثاً: تحويل التعقيد اللبناني من نقطة ضغط إلى عنصر في المعادلة،
لا يجوز التعامل مع مسألة السلاح في لبنان وكأنها إجراء إداري يمكن تنفيذه بقرار تقني أو ضمن مهلة يحددها الخارج.
لبنان بلد شديد التعقيد في تركيبته السياسية والطائفية والأمنية، وأيّ محاولة لفرض معالجة سريعة لقضية بهذا الحجم، بمعزل عن أسبابها وعن استمرار الاحتلال والخروقات والتهديدات، قد تنقل الأزمة من الحدود إلى الداخل.
من هنا، لا ينبغي أن يكون الموقف اللبناني وعداً مسبقاً بالتنفيذ مقابل الحصول على مهلة زمنية، لأنّ ذلك يعني قبول النتيجة قبل اكتمال التفاوض عليها.
الأصحّ أن تكون المعادلة مختلفة: أيّ معالجة لمسألة السلاح يجب أن تكون جزءاً من مسار متكامل ومتزامن يبدأ بإنهاء الاحتلال، ووقف الخروقات والاعتداءات، وتثبيت الضمانات السيادية والأمنية، ومعالجة الملفات الحدودية العالقة.
عندها فقط يصبح البحث في القضايا الداخلية جزءاً من تسوية سياسية وأمنية متكاملة، لا اختباراً مفروضاً على لبنان لإثبات أهليته أمام الطرف الآخر.
وهنا يمكن تحويل ما يُقدَّم باعتباره “عقدة لبنانية” إلى عنصر تفاوضي: لا يمكن طلب تغيير داخلي بهذا الحجم بينما تبقى الأسباب الخارجية التي أنتجت جانباً أساسياً منه قائمة.
إنّ قراءة حبيب فياض، بغضّ النظر عن التسميات الفلسفية، تضع أمامنا درساً مهماً: السياسة لا تُصنع في المختبر.
وإذا كان لبنان قد دخل هذه المفاوضات تحت ضغط الوقائع، فعليه ألا يسمح بأن تتحوّل حاجته إلى التفاوض إلى قبول بقواعد صاغها الطرف الآخر وحده.
فالسؤال ليس فقط: ماذا يريد الخصم؟
السؤال الأخطر هو: بأيّ منهج يدفعنا إلى تنفيذ ما يريد؟
والفارق بين السؤالين كبير. فقد يرفض المفاوض شرطاً واضحاً لأنه يدرك خطورته، لكنه قد يقبل آلية تبدو منطقية ومحايدة، ثم يكتشف لاحقاً أنّ كلّ مرحلة منها كانت تقوده إلى المرحلة التالية، وأن النتيجة كانت مضمنة في قواعد اللعبة منذ البداية.
لهذا، لا يكفي أن يناقش لبنان الشروط المطروحة عليه. عليه أن يناقش أيضاً هندسة التفاوض نفسها: من يبدأ؟ من ينفذ؟ من يراقب؟ ما المقابل؟ وما الضمانة بأنّ الخطوة اللبنانية لن تتحوّل إلى أمر واقع، فيما يبقى المقابل وعداً مؤجلاً؟
هنا يصبح الوعي بالتكتيك جزءاً من القوة التفاوضية. فالخصم قد يمتلك تفوقاً في موازين القوة، لكنه لا ينبغي أن يمتلك أيضاً حق صياغة الأسئلة وتحديد قواعد الإجابة عنها.
وربما تكون أهمّ إشارة في كلام حبيب فياض أنّ الفخ التفاوضي قد يبدأ قبل طرح الشرط نفسه، يبدأ منذ اللحظة التي نقبل فيها بمنهج يجعلنا نحن موضع الاختبار، ويضع الطرف الآخر في موقع الحَكَم.
لكن كشف الفخ لا يكفي للخروج منه. فالخطوة الأهمّ هي رفض قواعده منذ البداية، وإعادة بناء المعادلة على أساس التزام يقابله التزام، وضمانة تقابلها ضمانة، وخطوة لا تُنفَّذ إلا في مقابل خطوة. عندها فقط لا يعود لبنان مادةً للاختبار، بل يصبح شريكاً في تحديد شروط التفاوض ومساره ونتائجه…