مقارنة بين العقوبات على إيران وروسيا والعراق
ناصر قنديل
عندما فُرضت العقوبات الغربية الكبرى على روسيا في شباط 2022، لم يكن النفط هو السلاح الأول، بل الخنق المالي. جُمّد نحو 300 مليار دولار من احتياطيات المصرف المركزي الروسي، وفُصلت مصارف روسية عن نظام «سويفت»، ومُنع التعامل مع مؤسسات الدولة والشركات الكبرى، وأُغلقت أسواق المال والتكنولوجيا الغربية أمام موسكو. قالت المفوضية الأوروبية إن الإجراءات تستهدف 70% من السوق المصرفية الروسية، فيما توقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد الروسي بنسبة 11.2% خلال 2022. كانت الفكرة أن يؤدي تجميد الاحتياطيات وقطع التحويلات إلى انهيار الروبل والمصارف، وتعطيل الاستيراد ودفع الاقتصاد نحو الشلل؛ أي إن العقوبات كانت بديلاً من حرب مباشرة لا تستطيع واشنطن خوضها ضد قوة نووية.
لكن روسيا لم تسقط. انكمش اقتصادها بنحو 1.4% فقط سنة 2022، ثم نما 4.1% في 2023 و4.9% في 2024، بينما فرضت موسكو قيوداً على حركة الأموال، وألزمت مصدّري الطاقة بتحويل جانب من عائداتهم إلى الروبل، ورفعت الفائدة، وأعادت توجيه النفط نحو الصين والهند وتركيا. كما حافظت صادرات الطاقة، وخصوصاً مع ارتفاع الأسعار، على تدفق العملات الأجنبية. العقوبات ألحقت ضرراً حقيقياً، خصوصاً بالتكنولوجيا والاستثمار المدني، لكنها لم تُحدث الجفاف المالي المتوقع، لأن روسيا دولة قارية كبرى، مكتفية في الغذاء والطاقة، وتملك صناعة عسكرية وسوقاً داخلية وشركاء قادرين على توفير منافذ بديلة.
في العراق كان النموذج مختلفاً جذرياً. القرار 661 الصادر عن مجلس الأمن في آب 1990 فرض حصاراً شاملاً يحظر تقريباً الصادرات والواردات والتحويلات المالية، مع استثناءات ضيقة للدواء والغذاء. ولم تكن العقوبات أميركية أحادية يستطيع أي طرف دولي تجاهلها، بل نظاماً أممياً ملزماً، طُبّق على بلد خرج من حرب استمرت ثماني سنوات مع إيران، ثم تعرّض لتدمير واسع في حرب 1991. كان العراق يعتمد على النفط لتمويل معظم وارداته الغذائية والدوائية والصناعية، ولا يملك جواراً دولياً بحجم الصين أو اقتصاداً موازياً قادراً على كسر الحصار. وبعد تفاقم الكارثة الإنسانية أُنْشِئَ برنامج «النفط مقابل الغذاء» سنة 1996، فأصبح العراق يبيع نفطه تحت الرقابة الدولية ويشتري حاجاته ضمن قوائم وموافقات محددة.
ومع ذلك، لم تُسقط العقوبات النظام العراقي. دمّرت الطبقة الوسطى، وأفقرت السكان، وأضعفت البنية التحتية، لكنها لم تؤدِّ إلى انقلاب سياسي. احتاجت واشنطن في 2003 إلى غزو عسكري مباشر واحتلال بغداد لإسقاط الدولة. وهذه الواقعة وحدها تنقض الادعاء بأن العقوبات، مهما بلغت قسوتها، تضمن سقوط النظام المستهدف.
أما إيران فتقع بين النموذجين ولكنها أقرب، من حيث القدرة على التكيّف، إلى روسيا. العقوبات عليها تراكمت خلال أكثر من أربعة عقود، ثم اشتدت مالياً ونفطياً في 2012، وعادت بأقصى قوتها بعد انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي سنة 2018. تراجعت صادرات النفط، وفقد الريال جانباً كبيراً من قيمته، ووفق البنك الدولي انكمش الناتج الحقيقي 12% خلال سنتي 2018–2019، فيما انكمش القطاع النفطي إلى النصف. وتآكلت القدرة الشرائية، وضُربت الطبقة الوسطى، وارتفعت كلفة الدواء والتكنولوجيا والاستثمار.
لكن العقوبات الطويلة أعطت نتيجة معاكسة في قطاعات أخرى. فقد دفعت إيران إلى توسيع إنتاج الغذاء والدواء والمشتقات النفطية والصناعات العسكرية، وبناء شبكات دفع وتجارة غير غربية، واعتماد المقايضة والعملات الوطنية والوسطاء. كما أتاحت الجغرافيا حدوداً طويلة مع العراق وتركيا وباكستان وأفغانستان وآسيا الوسطى والخليج، بينما وفّرت الصين سوقاً للنفط ومصدراً للسلع والآلات. والدليل السياسي الأوضح أن البرنامج النووي والصناعة الصاروخية ودعم الحلفاء جميعها توسعت في ظل العقوبات، لا قبلها.
الفارق الحاسم، إذاً، ليس في قسوة القرار الأميركي فقط، بل في بنية البلد المستهدف. نجح حصار العراق في إنهاك المجتمع لأنه كان شاملاً وأممياً، ووقع بعد حرب مدمرة على بلد لا يملك موارد إيران وحجمها ويعتمد على الاستيراد؛ ومع ذلك لم يسقط النظام إلا بالغزو. وفشلت العقوبات في إسقاط روسيا لأن مواردها وجغرافيتها وشراكاتها أكبر من قدرة الغرب على إغلاقها. أما إيران فقد دفعت ثمناً اجتماعياً واقتصادياً باهظاً، لكنها حوّلت زمن العقوبات إلى زمن بناء بدائل محلية.
سياسياً، ليست العقوبات دليلاً على بلوغ القوة الأميركية مرتبتها الأعلى، بل كثيراً ما تكون اعترافاً بالتراجع عن الحرب. الحرب أسقطت النظام العراقي بعد أن فشل الحصار في إسقاطه؛ أما مع روسيا فاستُخدمت العقوبات لأن الحرب تعني المواجهة النووية. وفي إيران تأتي العقوبات الأشد بعد تعثر الحرب في تحقيق أهدافها. لذلك يمكنها رفع كلفة الصمود، لكنها لا تستطيع وحدها إسقاط دولة تملك الموارد والإرادة والجغرافيا والشركاء. العقوبات تؤلم إيران؛ إلا أن تحويل الألم إلى إسقاط سياسي يحتاج شروطاً لم تتوافر، ويبدو أن الحرب نفسها فشلت في توفيرها.