kayhan.ir

رمز الخبر: 228577
تأريخ النشر : 2026August19 - 22:11

الحرب على إيران وضرب ركائز النظام الأميركي في الشرق الأوسط

 

تحولت العدوان العسكري الأمريكي والإسرائيلي على إيران إلى اختبار لمصداقية واشنطن الأمنية في غرب آسيا، وهو اختبار لا يمكن اختزال تداعياته في عدد الهجمات أو حجم الخسائر أو نتائج العمليات العسكرية.

تحولت العدوان العسكري الأمريكي والإسرائيلي على إيران إلى اختبار لمصداقية واشنطن الأمنية في غرب آسيا، وهو اختبار لا يمكن اختزال تداعياته في عدد الهجمات أو حجم الخسائر أو نتائج العمليات العسكرية. وما يكتسب أهمية أكبر الآن هو السؤال الذي بدأ يتبلور بين حلفاء الولايات المتحدة: هل لا تزال واشنطن قادرة على ضمان أمنهم في لحظة الأزمة؟

تتضح الإجابة عن هذا السؤال، أكثر من البيانات السياسية الأمريكية، من خلال سلوك دول المنطقة. فقد تحرك حلفاء واشنطن على مدى سنوات انطلاقاً من افتراض أن الوجود العسكري الأمريكي، وشبكة القواعد والاتفاقيات الأمنية التي تمتلكها الولايات المتحدة، ستوفر في نهاية المطاف مظلة ردع يمكن الاعتماد عليها. لكن الحرب على إيران وضعت هذا التصور أمام تحدٍ جدي، ولا سيما إذا خلصت دول المنطقة إلى أن حتى الوجود العسكري الأمريكي الواسع لا يستطيع حمايتها من تداعيات حرب إقليمية.

وتناولت مجلة «فورين أفيرز»، في مقال بقلم مارك لينش، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، هذا التحول من زاوية تتجاوز ساحة المعركة. ويرى لينش أن النظام الإقليمي في غرب آسيا، الذي تشكل منذ عام 1991 على أساس التفوق العسكري والحضور الأمني الأمريكي، يواجه بعد الحرب على إيران أزمة خطيرة.

ومن وجهة نظره، لا تكمن المسألة فقط في مدى نجاح الولايات المتحدة وحلفائها في تحقيق أهدافهم العسكرية، بل في تآكل الأساس الأمني للنظام الذي سعت واشنطن على مدى عقود إلى ترسيخه في المنطقة.

ومن أبرز مؤشرات هذه الأزمة، هشاشة حلفاء الولايات المتحدة في الخليج الفارسي. فإذا عجزت واشنطن، خلال حرب واسعة النطاق، عن ضمان أمن شركائها أو إبقاء طرق حيوية مثل مضيق هرمز مفتوحة، فسيطرح ذلك أمام دول المنطقة سؤالاً جوهرياً حول الكلفة الفعلية للاعتماد على الولايات المتحدة في ظروف الأزمات.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن جانباً مهماً من الاستراتيجية الأمريكية في غرب آسيا قام على ترسيخ هذه المعادلة: الولايات المتحدة موجودة، وبالتالي فإن حلفاءها ليسوا وحدهم.

لكن إذا تغيرت هذه المعادلة في أذهان حكومات المنطقة، فقد تتجاوز تداعيات ذلك مجرد خلاف سياسي مع واشنطن. إذ قد تتجه دول المنطقة إلى تقليص اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة، وتنويع علاقاتها الخارجية، وإنشاء ترتيبات إقليمية جديدة.

وأعادت الحرب على إيران، من جهة أخرى، تسليط الضوء على مسألة أقدم تتمثل في محدودية استراتيجية الضغط لتغيير سلوك إيران أو بنيتها السياسية. فقد استخدمت الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي خلال السنوات الماضية مجموعة من الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

لكن إذا كانت الحرب نفسها عاجزة عن تحقيق الهدف الأساسي، أي تغيير النظام السياسي أو فرض نظام جديد في طهران، فسيبرز السؤال حول الحدود الحقيقية لقدرة الأدوات العسكرية وسياسة الضغط الأقصى على تغيير المعادلات السياسية في إيران.

وهنا يظهر فرق مهم بين «الانتصار في ساحة المعركة» و«تحقيق الهدف السياسي للحرب». فقد يحقق أحد الأطراف مكاسب في جزء من العمليات العسكرية، لكنه إذا عجز عن تحقيق أهدافه الاستراتيجية، فلا يمكن تقييم نتيجة الحرب وفق المعايير التكتيكية وحدها.

ولهذا السبب، ينبغي تقييم تداعيات الحرب على إيران على مستوى أوسع؛ مستوى يجري فيه اختبار المصداقية والردع وقدرة الولايات المتحدة على التأثير في سلوك الأطراف الفاعلة في المنطقة.

والأهم من ذلك أن فراغ القوة لا يبقى خالياً لفترة طويلة. فإذا شعرت دول المنطقة بأن الولايات المتحدة لم تعد قادرة أو راغبة في أداء الدور الذي كانت تضطلع به في السابق، فسيدخل لاعبون آخرون لملء هذا الفراغ.

وقد تتمكن الصين وروسيا وتركيا، وحتى قوى إقليمية مثل السعودية وإيران، في مثل هذه الظروف، من أداء دور أكبر في صياغة الترتيبات الأمنية في غرب آسيا.

ومن هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى الاتفاقيات الأمنية الجديدة في المنطقة باعتبارها أحداثاً منفصلة عن بعضها البعض. فانتقال بعض دول المنطقة نحو تعاون دفاعي وأمني أكثر استقلالية قد يكون مؤشراً على تغير حساباتها الاستراتيجية.

ولا يعني هذا بالضرورة خروجاً فورياً من الفلك الأمريكي، لكنه يشير إلى أن العديد من الأطراف الإقليمية لم تعد تريد ربط أمنها بالكامل بقوة خارجية واحدة.

وقد يؤدي هذا التحول تدريجياً إلى تغيير هيكل القوة في غرب آسيا. فالنظام الذي استند لعقود إلى التفوق النسبي للولايات المتحدة يواجهالآن أطرافاً تمتلك قوة وخيارات أكبر، ولم تعد مستعدة لتنظيم جميع حساباتها الأمنية وفقاً لرغبات واشنطن.

وبالتالي، قد تتجلى أهمية الحرب على إيران، أكثر من خطوط الخريطة في ساحة المعركة، في التغير الذي يطرأ على ذهنية حكومات المنطقة.

فإذا خلص حلفاء الولايات المتحدة إلى أن واشنطن غير قادرة على ضمان أمنهم في لحظة الأزمة، فإن الثقة بالنظام الأمني الأمريكي ستتآكل تدريجياً.

وفي مثل هذه الظروف، قد لا تكون الحرب على إيران نهاية مواجهة، بل بداية مرحلة جديدة في السياسة الإقليمية؛ مرحلة تبتعد فيها غرب آسيا عن النظام أحادي القطب وتتجه نحو توزيع أوسع للقوة.

وفي هذا النظام الجديد، ستظل الولايات المتحدة أحد اللاعبين المهمين في المنطقة، لكنها لن تكون بالضرورة اللاعب الوحيد القادر على تحديد قواعد اللعبة.

وربما تكون أهم تداعيات هذه الحرب بالنسبة إلى واشنطن هي الآتية: المسألة لا تتعلق فقط بحجم القوة العسكرية التي تمتلكها الولايات المتحدة في حرب ما، بل بمدى استمرار حلفائها في الثقة بهذه القوة.

فإذا فقدت واشنطن هذه الثقة، فإن استعادتها ستكون أصعب بكثير من إعادة بناء قدراتها العسكرية.

مهر

captcha