الغارات على إدلب أول اختبار للحلف الثلاثي
لا تقول الغارات الإسرائيلية الثماني على قاعدة أبو الظهور الجوية في ريف إدلب إنّ “إسرائيل” قررت استهداف سوريا مجدداً فحسب؛ فاختيار قاعدة تبعد نحو سبعين كيلومتراً عن الحدود التركية، واستهداف مدرجها ومستودعاتها، بعدما ظهرت مؤشرات إلى اهتمام تركي بإعادة تأهيلها، يجعلان الرسالة أبعد من دمشق. إنها رسالة إلى الحلف التركي السعودي الباكستاني الجديد، ومضمونها أن ولادة هذا الحلف لا تغيّر حرية الحركة الإسرائيلية، ولا تعيد رسم الخريطة الجيوستراتيجية للإقليم.
كانت أبو الظهور خارج الخدمة كقاعدة جوية منذ عام 2013، لكن تركيا بدأت مساعدة الحكومة السورية الجديدة في تدريب الجيش وإعادة بناء المؤسسات والمنشآت العسكرية، وهي تعتقد أن وجود القاعدة على الحدود التركية السورية يمنحها حصانة تجعلها مختلفة عن مطارات حمص التي سبق واستهدفت فيها “إسرائيل” منشآت تركية. لكن المبعوث الأميركي توم برّاك قال إن الغارات عكست اعتقاداً إسرائيلياً بأن أنقرة قد تزيد وجودها في القاعدة مستقبلاً.. وأضاف أن تركيا لم تُبلّغ مسبقاً، وأن رصد الطائرات المتجهة شمالاً كان يمكن أن يدفعها إلى الاستعداد للردّ، لولا تدخلات منعت الموقف من التدهور.
هنا تكمن الدلالة الأولى. لم تقصف “إسرائيل” موقعاً إيرانياً أو شحنة أسلحة لحزب الله، وفق الذريعة التقليدية، بل ضربت منشأة تابعة للدولة السورية يجري التفكير في إعادة تأهيلها بمساعدة تركية. وبذلك انتقلت من منع الوجود الإيراني إلى منع سوريا من استعادة قدرتها العسكرية، ومن استهداف حلفاء إيران إلى اختبار حدود النفوذ التركي.
تقول “إسرائيل” لدمشق إن انفتاحها على واشنطن ورغبتها في التهدئة لا يمنحانها حق إعادة بناء قوة جوية أو دفاعات قادرة على تقييد الطيران الإسرائيلي. والمسموح لسوريا، وفق المعادلة الإسرائيلية، هو بناء إدارة وأجهزة أمن داخلية، لا بناء سيادة عسكرية. أما الرسالة إلى تركيا فتقول إن مجال الأمن الإسرائيلي يصل إلى حدودها، وإن إسرائيل تقرّر أين تستطيع أنقرة الانتشار، وما نوع المنشآت التي يمكنها تشغيلها داخل سوريا.
لكن الرسالة الأهم موجّهة إلى الحلف الثلاثي؛ حيث يبدو بوضوح من التوقيت أن “إسرائيل” تريد اختبار ما إذا كان الاتفاق التركي السعودي الباكستاني مجرد إطار سياسي ورسالة طمأنة متبادلة، أم بداية انتقال حقيقي في موازين القوى. وقد اختارت قاعدة مرتبطة بالمصالح التركية لتقول إن الحلف لم يغيّر شيئاً، وإن أنقرة لا تزال تواجه منفردة اختبار النفوذ الإسرائيلي في سوريا، وتكتفي ببيان إدانة بدلاً من دعوة وزراء خارجية ووزراء دفاع دول الحلف لمناقشة العدوان وإصدار موقف يقول إن العدوان هو تهديد للأمن القومي لدول الحلف وعلى “إسرائيل” فهم ذلك والتصرف على أساسه.
تقول “إسرائيل” عملياً إن وجود باكستان، بما تمثله من قوة عسكرية ونووية، لا يصنع مظلة ردع تلقائية؛ لأن الردع يحتاج إلى تعريف مشترك للتهديد، وآلية لاتخاذ القرار، والتزام بأن استهداف المجال الحيوي لإحدى الدول الثلاث يستدعي تحرك الدول الأخرى. ومن دون هذه العناصر تبقى القوة النووية الباكستانية قوة وطنية، ويبقى مال السعودية ونفوذها خارج المعادلة العسكرية، وتظل تركيا أمام “إسرائيل” بقدراتها وحساباتها الخاصة.
الاختبار لا يعني بالضرورة رداً عسكرياً على الغارات، لكنه يفترض موقفاً ثلاثياً واضحاً، وتنسيقاً سياسياً وعسكرياً، وربط أمن سوريا باستقرار الإقليم، وتحديداً معلناً لحدود الحركة الإسرائيلية. أما الاكتفاء بإدانة تركيا، مع صمت سعودي وباكستاني، فيعني منح “إسرائيل” فرصة تفريغ الحلف من مضمونه قبل أن يبدأ.
اللافت أن “إسرائيل” أبلغت واشنطن مسبقاً بمعلومات وصفتها بالحساسة، بينما أدان برّاك الغارات بوصفها «تصعيداً غير ضروريّ». وهذا يكشف خلافاً على الأسلوب لا انقلاباً أميركياً على “إسرائيل”؛ حيث تقوم واشنطن بإدارة التنافس الإسرائيلي التركي عبر آلية منع اشتباك، بينما تستخدم “إسرائيل” النار لفرض الوقائع قبل بدء التفاوض على هذه الآليّة.
لقد أصبح السؤال بعد أبو الظهور بسيطاً: هل يفرض الحلف الثلاثي معادلة إقليمية جديدة، أم يكتفي بالتعايش مع المعادلة الإسرائيلية؟ إذا لم تظهر آثار عملية للحلف، تكون “إسرائيل” قد نجحت في تثبيت ادعائها بأن لا دولة منفردة ولا تحالف إقليمياً، حتى لو ضم دولة نووية، يستطيع وضع حد لحركتها أو إلزامها بحدود أمن قومي تقف عند حدودها المعترف بها.
الحلف الإقليمي الذي لا يثبت وجوده في تغيير قواعد الردع والاشتباك مع “إسرائيل” يكون قد ولد ميتاً؛ لأن لا شرعية لأي حلف في المنطقة لخوض أي حرب ما لم يتعمد بحضوره في ميدان الوقوف بوجه الغول الإسرائيلي، خصوصاً في الساحات
المحسوبة على دوله مباشرةً.
البناء