kayhan.ir

رمز الخبر: 228296
تأريخ النشر : 2026August15 - 20:54

بين ألم كبير يستحق التحمل وألم أصغر لا يستحق!

 

 

يركز الإعلام الأميركي وخطاب مؤيدي واشنطن العرب على الخلافات الداخلية الإيرانية وضغوط الاقتصاد والعقوبات والحصار، ويقدّم هذه العناصر بوصفها دليلاً على اقتراب إيران من الانهيار. لكن الصورة تبقى ناقصة ما لم يُوضَع إلى جانبها التراجع السياسي والشعبي الأميركي، والانقسام المتزايد حول الحرب، وانتقال كلفتها إلى أسعار الوقود والتضخم والفوائد والأسواق الماليّة. والأهم أنّ المقارنة لا تُحسَم بحجم الألم الذي يعانيه كل مجتمع، بل بدرجة استعداده لاعتبار هذا الألم ثمناً لقضية تستحق دفعه.

لا شك في أنّ الاقتصاد الإيراني يواجه ضغوطاً شديدة. فقد تعرّضت منشآت صناعيّة وطرق ومطارات ومحطات طاقة للدمار، وتراجعت التجارة عبر الموانئ بفعل الحصار الأميركي، وانخفضت الصادرات النفطية. وتشير تقديرات إلى احتمال انكماش الاقتصاد الإيراني بنحو 6.1% خلال 2026، مع تضخم يقترب من 69%، فيما هبط الريال إلى حدود 1.32 مليون مقابل الدولار. وحذّرت جهات اقتصادية إيرانية من أنّ الطرق البرية لا تستطيع تعويض الموانئ الجنوبية؛ لأنّ نقل حمولة سفينة واحدة يحتاج إلى نحو 2500 شاحنة.

لكنّ تحويل هذه الوقائع إلى استنتاج آلي بأنّ المجتمع الإيراني سيفرض الاستسلام يتجاهل طبيعة الحرب، كما يراها الإيرانيون. فإيران تعرضت لهجوم أميركي – إسرائيلي استهدف أراضيها ومدنها وقيادتها ومنشآتها، ثم فُرض الحصار على موانئها. لذلك تُخاض الحرب بخلفية وجودية ترتبط ببقاء الدولة وسيادتها ومنع إخضاعها وحقها في إدارة مضيق هرمز. وقد يختلف الإيرانيون حول الحكومة والاقتصاد والتفاوض وتوزيع أعباء الحرب، لكنّ هذا لا يعني رفضهم مبدأ الدفاع عن بلادهم.

ويظهر ذلك في طبيعة الخلافات الإيرانية نفسها؛ فالاحتجاج السياسي الأبرز لا يتركز على أصل مواجهة الولايات المتحدة، بل على ما يصفه المعترضون بتنازلات تفاوضية قد تبدد نتائج الصمود. يعارض المتشددون فتح هرمز قبل رفع حصار الموانئ والعقوبات وتحرير الأموال، ويرفضون العودة إلى نظام المضيق السابق مقابل وعود أميركيّة يمكن نقضها. وتبذل القيادة الإيرانية جهوداً لإقناع المعترضين بأنّ تثبيت المكاسب يحتاج إلى اتفاق وضمانات. وبذلك لا يدور الخلاف حول حتمية خوض الحرب أو حق إيران في الرد على الحرب والحصار.

في الولايات المتحدة تبدو الصورة معكوسة؛ فالحرب لم تبدأ رداً على خطر وجودي يهدد الأراضي الأميركية، بل كانت خياراً سياسياً كان يمكن تجنبه باستمرار التفاوض. وبعد أشهر من القتال، لم تُفتح الملاحة الطبيعية في هرمز، ولم تستسلم إيران، ولم يظهر مخرج واضح. لذلك لا يحتج الأميركيون على تنازلات محتملة في التفاوض، بل على أصل خيار الحرب وشرعيته وكلفته وجدواه.

أظهر استطلاع رويترز – إبسوس في السادس من آب أنّ 35% فقط من الأميركيين يؤيدون الحرب، بينما توقع 58% أن تزداد أسعار البنزين سوءاً، مقابل 15% توقعوا تحسنها. ووصل متوسط سعر الغالون إلى نحو 4.08 دولارات. وفي استطلاعات أخرى بلغ عدم الرضا عن أداء ترامب في ملف الوقود 79%، وامتدّ إلى شرائح من الجمهوريين وناخبي الطبقة العاملة الذين يشكلون قلب قاعدته الانتخابية.

انتقل الانقسام الشعبي إلى المؤسسة السياسية؛ ففي 23 تموز أقرّ مجلس النواب، الذي يقوده الجمهوريون، قراراً يطالب ترامب بوقف العمليات العسكرية ضد إيران بأغلبية 214 صوتاً مقابل 208، بعدما انضم أربعة نواب جمهوريين إلى الديمقراطيين. قد يكون القرار رمزياً، لكنه يكشف أنّ الاعتراض لم يعد محصوراً بالخصوم التقليديين للرئيس.

كما بدأت كلفة الحرب تهدد الجاهزية الأميركية؛ فقد استخدم الجيش معظم مخزونه من صواريخ “جاسم” (JASSM) و”أتاكمز” الدقيقة البعيدة المدى، ونحو نصف مخزون “توماهوك”، وتراجعت مخزونات “باتريوت” و”ثاد” بدرجات أثارت قلق القادة العسكريين. واضطر البنتاغون إلى مطالبة شركات السلاح بتقديم خطط خلال 21 يوماً لتسريع الإنتاج. وفي هذه الخلفية تراجع ترامب عن عملية ضخمة قال إنها كانت ستكون الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، رغم استمرار نفيه أن يكون نقص الذخائر قد فرض القرار.

تتجاوز الكلفة مخازن السلاح؛ فقد ارتفع خام برنت خلال أسبوع نحو 6% إلى قرابة 88.5 دولاراً، وارتفعت فائدة الرهن العقاري الأميركي لثلاثين عاماً من 5.98% قبل تصاعد الحرب إلى نحو 6.67%، مضيفة قرابة 150 دولاراً إلى القسط الشهري المتوسط. كما يهدد استمرار اضطراب هرمز بإعادة إشعال التضخم ورفع عوائد السندات ومنع الاحتياطي الفدرالي من خفض الفائدة، وصولاً إلى خطر الركود التضخميّ واضطراب الأسهم والمصارف.

في خطابه الأخير، لم يقم ترامب بتوزيع وعوده بخفض البنزين، بل طلب من الأميركيين قبول سعر أربعة دولارات باعتباره ثمناً معقولاً، وقال إنه لن يعتذر لأنه “فعل الصواب”. لكنه أقر في الوقت نفسه بأنه ربما بالغ في استخدام القوة، ثم برر الحرب بضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي، من دون أن يشرح ما الذي تحقق أو ما خطته المقبلة.

هنا يكمن الفارق: قد يكون الألم الإيراني أكبر، لكنه يُقدّم داخل إيران ثمناً لحرب دفاعية وجودية، بينما يرى الأميركي أنّ ما يدفعه ثمن حرب اختيارية فاشلة ومكلفة كان يمكن تجنبها. لا تنهار المجتمعات لمجرد ارتفاع الألم؛ إنّها تتراجع عندما تفقد القناعة بأنّ القضية تستحق التضحية. ولذلك قد تزيد الضغوط في إيران تشدداً في شروط التسوية، بينما تزيد الضغوط في أميركا المطالبة بإنهاء الحرب والخروج منها.

البناء

captcha