kayhan.ir

رمز الخبر: 228293
تأريخ النشر : 2026August15 - 20:54

ترامب يريد شراء الوقت وإيران ترفع عليه الثمن

 

ناصر قنديل

بعد ثلاث عشرة ليلة متواصلة من الغارات، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الثاني من آب إلغاء الضربة الجديدة، شرط إمكان التوصل سريعاً إلى اتفاق حول البرنامج النووي وهرمز. وفي اليوم التالي وصف المفاوضات بأنها “الفرصة الأخيرة”، وهدّد إيران بـ”قطع الرأس” إذا رفضت الاتفاق. جمع ترامب بذلك بين قرار فعلي بعدم توسيع الحرب وخطاب تهديدي يمنع تفسير التراجع باعتباره عجزاً. وكانت خلفية القرار تحذيرات القادة العسكريين من استنزاف الترسانة؛ فقد استخدم الجيش تقريباً كامل مخزونه من صواريخ “جاسم” (JASSM) و”أتاكمز” الدقيقة، ونحو نصف مخزون “توماهوك”، وقرابة 65% من مخزون صواريخ “باتريوت” الاعتراضية حتى تموز. ورغم نفي ترامب وجود أزمة ذخائر، لم يعد إلى تنفيذ العملية التي بشّر بها. لكنه في الحادي عشر من آب كشف جوهر خياره الجديد، فقال إنّ بإمكان واشنطن أن تستمر كما تفعل الآن “ونرى مدى سوء حالهم”، مضيفاً أنّ إيران في فوضى اقتصادية ولا تستطيع الاقتراض، وأنّ أميركا تسيطر على أموالها، مضيفاً: “أنا مصرفيّهم”. ثم حدّد البديل الآخر: “نضربهم بقوة شديدة جداً”. أي إنّ الخيار الفعلي هو الانتظار تحت الحصار، بينما تحولت الحرب الكبرى إلى تهديد احتياطي.

أكد وزير الدفاع بيت هيغسيث الاتجاه نفسه عندما قال إنّ البحرية تستطيع مواصلة حصار الموانئ الإيرانية “إلى أجل غير محدد”، لأنها ستدوّر السفن دخولاً وخروجاً. وأعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت أنّ واشنطن تستعدّ لفرض “عزلة اقتصادية لم يشهد العالم مثلها”، ضمن “لكمة مزدوجة” تجمع الحصار المالي بالحصار البحري. أما وزير الطاقة كريس رايت فتولى طمأنة الأسواق، معلناً أنّ 20 مليون برميل عبرت هرمز يوم الأحد. ويعني هذا أنّ المضيق انتقل خلال يوم واحد من شبه التوقف إلى كامل طاقته الطبيعية، لكن شركة “كبلر” العالمية رصدت ست شحنات تجارية فقط ليس بينها نقطة نفط، فيما بقي عدد السفن اليومية قريباً من عشر سفن، مقابل 125 إلى 130 قبل الحرب. وهنا لا يتعلق الأمر بخطأ حسابيّ بسيط؛ حيث يعرف رايت أنّ عبور 20 مليون برميل يحتاج إلى عشرات الناقلات، ويعرف ترامب ذلك عندما يقول إنّ أميركا تملك “السيطرة الكاملة” على هرمز، ويضيف: “أعتقد أننا سنحتفظ به”، واصفاً الحصار بأنه “جدار من الفولاذ”. وظيفة هذه الرواية ليست وصف الواقع، بل إقناع الناخب الأميركيّ بأنّ النفط يتدفق، والحرب تحت السيطرة، وإيران تنهار، ولا حاجة إلى تسوية قبل الانتخابات. والرهان على الانهيار الاقتصادي والاجتماعي لإيران ـ إذا كان حقيقياً ـ لا يحتاج إلى تزوير الأرقام والحديث عن تضخم يبلغ 80% بالقول إنه يبلغ 300%، والحديث عن رواتب تراجعت قدرتها الشرائيّة للقول إنّ الرواتب لا تُدفع للجنود؛ لأنّ ترامب وإدارته يعلمون أنّ الألم يشعر به الإيرانيون، لكنه ليس بالحجم الذي يصوره الأميركيون، ولكن الإيرانيين يعتقدون أنّ هناك ما يستحق التحمل، بينما يجد الأميركيون أنهم يدفعون ثمن خيارات لم تكن قدراً وكان يمكن تجنبها.

في المقابل، رسمت التصريحات الإيرانية استراتيجية معاكسة؛ حيث قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي إنّ هرمز لن يُفتح ما لم تغيّر الولايات المتحدة سلوكها وتقبل شروط إيران، وفي طليعتها إنهاء الحرب وتحرير الأموال الإيرانية. وأكدت الخارجية أنّ المطلوب يشمل رفع حصار الموانئ والعقوبات ودفع التعويضات، وأنّ الاتفاق الفني مع عُمان على مسارات الملاحة لا يعني فتح المضيق تلقائياً. وأعلن قائد بحرية الحرس علي عظمائي أنّ هرمز لا يزال مغلقاً، وأنّ أي حركة فيه لا تفلت من رقابة إيران. وقال مقرّ “خاتم الأنبياء” إنّ أي سفينة تجارية وناقلة نفط لا تستطيع العبور بأمان من دون إذن طهران وإشرافها. وردّ عباس عراقجي على ادعاء ترامب السيطرة على المضيق محذراً من “خطأ أميركي أكبر في الحسابات”. أما التصريح الأوضح فجاء عن محمد مخبر، مستشار المرشد، الذي قال إنّ استراتيجية القيادة تقضي بنقل الحرب إلى وضع هجوميّ إذا لم تُلبَّ شروط إيران. وتطابقت عبارته مع مرسوم تعيين أحمد وحيدي قائداً للحرس، الذي كلفه الاستعداد لـ”عمليات هجوميّة قويّة ضد العدو”. لكن الهجوميّة هنا لا تعني، على الأرجح، أن تبدأ إيران حرباً جديدة، بل أن يصبح ردها على تنفيذ الحصار أوسع وأشدّ.

إيران تثبّتت من قدرتها على إبقاء هرمز عند أقل من عُشر حركة السفن الطبيعيّة في بعض الأيام. ولذلك تنتقل من إثبات الإغلاق إلى استنزاف القوة التي تحاول كسره. فعندما تحتجز واشنطن سفينة متجهة إلى ميناء إيرانيّ أو تستهدفها، تستطيع طهران الرد على السفن أو القوات المشاركة، مع إبقاء مسؤوليّة بدء الاشتباك على الولايات المتحدة. وكل حادثة ترفع كلفة التأمين والشحن والنفط، وتنقل الضغط إلى التضخم والأسهم والبورصات والمصارف والاحتياطي النفطي. وكل رد بالصواريخ والمسيّرات يُجبر السفن والقواعد الأميركية و”إسرائيل” على استهلاك باتريوت وثاد و”إس إم-3″ و”إس إم-6″. ولا تحتاج إيران إلى إصابة كل هدف؛ يكفيها إجبار الخصم على إطلاق ذخائر دفاعيّة مرتفعة الكلفة وبطيئة الإنتاج.

هكذا تتقابل استراتيجيتان رسمتهما التصريحات بوضوح: ترامب يريد حصاراً بلا حرب كبرى، ورواية انتصار تسمح له بعبور الانتخابات؛ وإيران تريد تحويل الحصار إلى استنزاف يمنعه من عبورها. والهدف الإيراني ليس الاستنزاف لذاته، بل العودة إلى مذكرة التفاهم، بما تتضمّنه من إنهاء الحرب، ورفع الحصار، وتحرير الأموال، وتثبيت دور إيران وعُمان في هرمز، وصون المكاسب النووية والإقليمية.

ترامب يريد شراء الوقت، وإيران ترفع سعره عبر السوق والذخائر حتى يعجز عن شرائه. ومن يفرض توقيته قبل تشرين الثاني يفرض التسوية.

captcha