kayhan.ir

رمز الخبر: 228292
تأريخ النشر : 2026August15 - 20:54

جحيمُ النبطية والجنوب: دمارٌ بلا رقيب وتعليمٌ مهددٌ!

 

إبراهيم مصطفى

 تقف مدينة النبطية وجوارها الجنوبي اليوم أمام مشهد كارثي يتقاطع فيه الدمار العمراني مع الانهيار المعيشي والتربوي

ومع اقتراب موعد العام الدراسي الجديد، تلوح في الأفق مأساة وطنية وإنسانية غير مسبوقة تضرب مفاصل الحياة كافة، وتحديداً القطاع التعليمي الذي تُرك ليواجه مصيره بمفرده وسط أرض ملتهبة وغياب تامّ لأيّ خطط إنقاذية فعلية.

لقد خلف مسار التصعيد العسكري دماراً هائلاً طال الحجر والبشر، وأدّى إلى حركة تهجير واسعة النطاق شرّدت العائلات عن قراها وبلداتها التي تحوّلت إلى ركام. ولم يقتصر التهجير على ترك المنازل فحسب، بل رافقه تدمير ممنهج لمصادر الرزق والمؤسّسات التجارية والأراضي الزراعية التي تشكل شريان الحياة الاقتصادية لأبناء المنطقة.

بات وضع الأهالي الاقتصادي منكوباً بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، وأصبح القسم الأكبر منهم يعيش دون خط الفقر بكثير… وأمام هذا الواقع، يتساءل المرء بحرقة: كيف ومن أين سيدفع ولي الأمر أقساط أبنائه، وهو عاجز تماماً عن تسديد ما تبقى من أقساط العام الدراسي المنصرم؟

هناك مئات المعلّمين والمعلّمات في المدارس الخاصة، من سينظر إليهم؟ من أين سيتقاضون رواتبهم؟ من سيعمل على تأمين متطلبات حياتهم وأولادهم؟ أَيَجُوزُ أن يُترك هؤلاء تتقاذفهم أرصفة الشوارع وأرغفة الخبز؟

إنّ هؤلاء الجنود المجهولين الذين حملوا رسالة العلم في قاعات الدرس، وجعلوا من عقول أجيالنا منارةً للغد، ليسوا تفصيلاً عابراً في معادلة الوطن، بل هم أساس بنيانه الأخلاقي والمعرفي.

إنّ تركهم اليوم بلا مظلة حماية اجتماعية أو اقتصادية يمثل نزفاً خطيراً لكرامة الإنسان وهيبة التعليم. فالأزمة الحالية لا تقتصر على لقمة العيش، بل تمتدّ لتغتال طمأنينة العائلات وتضع المستقبل الأكاديمي لمئات الأطفال على حافة المجهول.

تتفاقم مأساة الأهالي بمعضلة النزوح والسكن، خصوصاً أبناء القرى والبلدات الأمامية وتخومها، مثل الزوطرين، يحمر، أرنون، كفرتبنيت، والنبطية الفوقا، إضافة إلى أقسام واسعة من أهل النبطية، ميفدون، وكفرمان… دون أن ننسى أهل جنوب الليطاني وقراه

أين سيسكن هؤلاء؟ وكيف يمكن لعائلة فقدت منزلها ومصدر رزقها أن تستأجر بيتاً في ظلّ ارتفاع جنوني لأسعار الإيجارات وغياب أبسط مقومات الدعم والتعويض؟ إنها معادلة مستحيلة تعجز عنها طاقات البشر.

تطرح الظروف الأمنية الضاغطة وغير المستقرة علامات استفهام كبرى حول قدرة المدارس على فتح أبوابها واستئناف الهيئات التعليمية لمهامها. فأيّ مدرسة ستتحمّل مسؤولية طلابها وهي عرضة للخطر الدائم في بيئة مفتوحة على كلّ الاحتمالات العسكرية والأمنية؟ ومن سيقول للأطفال الذين يعيشون الرعب اليومي إنّ أصوات القصف والتفجير ومسيرات الموت هي أصوات عادية؟ ومن يداوي جراح الطفولة المهدورة قبل أن يبدأ تدريس الحروف والأرقام؟ ولا يمكن بأيّ حال نسيان أهلنا الصامدين جنوبي النهر، الذين عانوا ويعانون الأمرّين، وتتضاعف معاناتهم المعيشية والنفسية يوماً بعد يوم.

وأمام هذا التخبّط المستشري، يبرز السؤال الملحّ: أين القوى الوطنية والإسلامية من وضع التربية ومساندة الأهل في الجنوب؟ أين دورها الفاعل والعملي في بلورة شبكة أمان اجتماعي وتعليمي تبلسم جراح العائلات المنكوبة وتنقذ العام الدراسي من الضياع؟

إنّ أرض الواقع الملتهبة لا تُبشّر بالخير أبداً، ولم يعد مجدياً الاكتفاء بالشعارات الرنانة وعبارات التضامن العاطفية مثل “نحن معكم بعقولنا وقلوبنا”. فأين السلطة السياسية من هذه المأساة؟ وأين وزارة التربية وخططها الاستثنائية لمعالجة هذا الأمر الخطير الذي يهدّد مستقبل أجيال بأسرها؟

يجب إيجاد خطة لحفظ كرامة هؤلاء المعلمين، وكذلك الأهل الذين تجذروا في أرضهم، لا ليُهانوا… ولا ليُتركوا لمصيرهم الأسود. فاستقرار المعلّم وتأمين عيشه الكريم هما الضمانة الوحيدة لاستمرار الرسالة، والركيزة الأساسية لئلا تحترق شمعة العلم في أتون الأزمات، وليبقى الجنوب قادراً على استعادة نبضه قبل أن يخسر تلامذتنا عامهم الدراسي المقبل وتضيع سنة جديدة من عمر أبناء المنطقة في مهب الريح

captcha