حقيقة الوضع في مضيق هرمز
ناصر قنديل
– بين إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة «تسيطر كلياً» على مضيق هرمز، وتأكيد القيادة العسكرية الإيرانية أن لا سفينة تستطيع العبور من دون إذن طهران، لا يمكن معرفة الحقيقة من التصريحات. المعيار الوحيد هو عدد السفن، والمسار الذي تستخدمه، وكمية النفط التي تحملها. فماذا تقول الأرقام؟ والمعلوم أنه قبل الحرب، كان يعبر هرمز نحو 130–140 سفينة يومياً. ووفق وكالة الطاقة الدولية، مرّ عبره خلال عام 2025 نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمشتقات، أي قرابة 25% من كميات النفط العالمية المنقولة بحراً. وبعد اندلاع الحرب في 28 شباط، هبطت تدفقات النفط عبر المضيق من 20 مليون برميل يومياً إلى متوسط 2.7 مليون فقط خلال آذار ونيسان وأيار، وفق وكالة الطاقة الدولية. أي أن الإغلاق منع خروج أكثر من 17 مليون برميل يومياً مقارنة بما قبل الحرب، وأنتج أكبر اضطراب في الإمدادات النفطية في تاريخ السوق العالمية.
– خلال الهدنة المؤقتة، بين 7 حزيران و7 تموز، سجلت حركة مضيق هرمز متوسطاً يقارب 45 عملية عبور يومياً. وهذا الرقم لا يعني 45 ناقلة نفط، بل يشمل ناقلات النفط والغاز وسفن الشحن وسائر السفن التجارية في الاتجاهين. وبعد انهيار الهدنة، انخفض المتوسط إلى نحو 13 سفينة يومياً، أي تراجع بنسبة 70%. وفي 21 تموز عبرت تسع سفن فقط، وفي 22 تموز عبرت 15 سفينة. ثم تراجعت الحركة أكثر:
● من 3 إلى 6 آب: عبرت 33 سفينة في الاتجاهين، مقابل 50 في الفترة نفسها من الأسبوع السابق.
● دخلت الخليج(الفارسي) 21 سفينة، معظمها عبر الممر الإيراني.
● خرجت ست ناقلات نفط خام فقط خلال تلك الفترة.
● في 7 آب عبرت أربع سفن، بينها ناقلة عملاقة تحمل مليوني برميل من خام البصرة.
● في 11 آب عبرت ست سفن فقط: أربع دخلت المضيق، بينها ناقلتا مشتقات فارغتان، وسفينتان خرجتا محملتين بغاز البترول المسال والوقود المتبقي.
● في 12 آب سجلت «كبلر» ثماني سفن، مقابل متوسط عشرة أيام بلغ نحو 12 سفينة، ونحو 130–140 قبل الحرب.
– إذن حركة هرمز الحالية لا تتجاوز في معظم الأيام 5–10% من حركته الطبيعية. وهذا وحده يكفي لنفي القول إن المضيق فُتح أو إن الملاحة عادت إلى طبيعتها. والعبور يتم بعد سقوط الهدنة في ممرين، بعدما أنشأت إيران ممراً أحادياً شمال جزيرة لارك، لا تعترف به الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ولم تصادق عليه المنظمة البحرية الدولية. بينما في 24 حزيران أعلنت عُمان، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، إتاحة ممر مؤقت في مياهها من دون رسوم عبور، لم تتأخر القيادة المركزية الأميركية عن الإعلان عنه دخولها طرفاً مباشراً في تشجيع الممر وضمان العبور فيه، لكن شركات التأمين لم تعتبر الممر العُماني آمناً أو معترفاً بمخاطره، ولذلك لم تنخفض كلفة التأمين على السفن التي تستخدمه. وكانت النتيجة أن السفن فضّلت الممر الإيراني، لأنها تعرف أن العبور فيه يحصل عملياً تحت إشراف إيران وموافقتها.
– مصدر الأرقام الواردة يعود لشركة عالمية متخصصة اسمها كبلر، وهي شركة دولية متخصصة في بيانات تجارة الطاقة والسلع وحركة الملاحة البحرية، وليست مؤسسة إعلامية أو جهة حكومية. تعتمد على إشارات نظام التعريف الآلي للسفن AIS، والمراقبة عبر الأقمار الصناعية، وبيانات الموانئ والحمولات وعمليات النقل بين السفن، لتقدير مسارات الناقلات وكميات النفط والغاز المنقولة ووجهاتها. تتعقب الشركة أكثر من 350 ألف سفينة يومياً، وتعالج نحو 1.2 مليار إشارة AIS، عبر شبكة تضم أكثر من 13 ألف جهاز استقبال، ويستخدم بياناتها تجار النفط وشركات الشحن والتأمين والمصارف والحكومات ووكالات الأنباء. وقد عززت موقعها بشراء منصتي «مارين ترافيك» و«فليت مون» عام 2023، ثم «سباير ماريتايم» عام 2024. لذلك تُعد أرقامها من أكثر المراجع المهنية اعتماداً في قياس حركة الناقلات، وتكشف أرقام «كبلر» التحول بوضوح:
● خلال الهدنة: 60% من عمليات العبور استخدمت الممر الإيراني، مقابل 40% للممر العُماني.
● بين 15 و22 تموز: ارتفعت حصة الممر الإيراني إلى 90%، وانخفضت حصة العُماني إلى 10%.
● في آخر يوم فصلت فيه «كبلر» المسارات: عبرت ثماني سفن، كلها من الممر الإيراني، وصفر عبر الممر العُماني.
● باحتساب متوسط 13 سفينة يومياً بين 15 و22 تموز، يكون الممر الإيراني قد استوعب تقريباً 12 سفينة يومياً، مقابل سفينة واحدة للممر العُماني. لكن هذا تقدير مستخرج من النسبة المنشورة، وليس سجلاً اسمياً مستقلاً للناقلات، وهذه الأرقام تثبت أن الممر العُماني لم يتحول إلى بديل فعلي، وأن معظم الحركة المتبقية داخل هرمز انتقلت إلى المسار الذي تديره إيران.
– قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت في 12 آب إن متوسط النفط الخارج عبر مضيق هرمز خلال سبعة أيام ارتفع إلى قرابة تسعة ملايين برميل يومياً. لكن بيانات «كبلر» جاءت مختلفة جذرياً:
● أسبوع 27 تموز: 2.77 مليون برميل يومياً عبر هرمز.
● أسبوع 3 آب: 1.74 مليون برميل يومياً.
– الحقيقة التي تقولها الأرقام هي أن هرمز لا يزال شبه مغلق. العبور هبط من 130–140 سفينة يومياً إلى ما بين ست و13 سفينة في معظم الأيام، والنفط انخفض من 20 مليون برميل يومياً قبل الحرب إلى 1.74 مليون في أسبوع 3 آب. أما الممر المتحكم بالحركة المتبقية فهو الإيراني بنسبة وصلت إلى 90%، وأحياناً إلى 100% في اليوم الواحد.